هناك مشروعان كبيران في منطقة الباحة تنفذهما (وزارة النقل) وأقل ما يمكن أن يقال عنهما إنهما (هدر واضح للمال العام، وضرر واضح للبيئة والمواطنين، ولا ضرورة لهما، ولا فائدة ترجى منهما)، فهما مشروعان (عبثيان) بكل ما تعنيه الكلمة، ولا أعتقد أنهما قائمان على أي دراسة ولا تخطيط، ولا حتى (عقل)، وسبق أن تساءلت عنهما في هذه الزاوية منذ أشهر، لكن (وزارة النقل) لم تنبس ببنت شفة، وأظنها لا تستطيع تقديم أي حجة تبرر هذا (العبث) المستمر منذ أربع سنوات تقريبا، وإذا لم يتدخل ذو عقل لإيقافه فإنه سيستمر، ربما، أكثر من عشر سنين قادمة. وإليكم القصة مرة أخرى، فالتكرار لا يضير الشطار.
أولا: (الطريق الدائري)، فمنذ عشر سنوات ارتجلت أمانة الباحة إنشاء طريق جبلي عرضه نحو عشرين مترا، يمتد من مستشفى الملك فهد في الباحة إلى غابة رغدان، عبر سفوح الجبال، وقد نفذ بجهود ذاتية من الأمانة، وكان يمكن لوزارة النقل، وقد أعجبتها فكرة استكمال طريق دائري (على الرغم من عدم الحاجة إليه)، أن تواصل بنفس العرض (عشرون مترا أو أقل)، فالباحة منطقة ريفية ولا تحتاج لأكثر من هذا، سيما والتضاريس صعبة، ونحت الجبال بهذه الصورة يؤذي الأودية، ويدفنها، لكن الوزارة ومنذ أربع سنوات بدأت في إنشاء طريق دائري جديد عرضه نحو (ثمانين مترا)، وكل من يشاهد الجزء الصغير الذي قطعه المشروع حتى الآن (من بني ظبيان إلى مدخل عقبة الباحة بطول أقل من عشرة كيلو مترات) سيشعر بفداحة الجريمة التي تم ارتكابها بحق الجبال التي نحتت والأودية التي دفنت، والمنازل التي أقيمت العبارات من فوقها، ومال الدولة الذي أهدر في غير مكانه، إذ لا حاجة مطلقا للباحة إلى طريق بهذا العرض ومن هذه الأماكن لمئة سنة قادمة، فهي منطقة ريفية تتكون من مجموعة قرى متناثرة على سفوح الجبال، والمتصلة ببعضها بعضا ومع الطريق العام (طريق الملك فهد السريع) بطرق فرعية لا يزيد عرض معظمها عن أربعة إلى خمسة أمتار، وهي طرق معظمها سيئ يحتاج إلى صيانة لم يشهدها منذ سنين طويلة، ولو أنفق عشر تكاليف هذا المشروع الملياري على صيانة هذه الطرق الفرعية، وإنشاء طرق مماثلة لها لكفى، حيث إن المناطق الريفية والجبلية المماثلة في الدنيا كلها لا تجد فيها طريقا بعرض خمسين ولا حتى عشرين مترا، عدا الطريق الرئيسي الذي يربطها بمناطق أخرى، وهذا الطريق موجود، وهو الذي يربط بين الطائف وعسير عبر الباحة، ولهذا أرجو أن يتوقف طريق وزارة النقل الدائري عند النقطة التي وصل إليها، حيث يكفي أضرارا للناس ودفنا للأودية وهدرا للمال، بل يكفي عبثا، فالمشروع لو استمر فإنه سيحتاج نحو خمسين كيلومترا عبر سفوح جبال أصعب من الجبال التي نحتها في العشرة كيلو مترات التي قطعها، وسيدفن أودية أكبر وأهم، وسيضر قرى ومنازل قائمة كثيرة، وفوق ذلك سيهدر عشرات المليارات فيما لا داعي له، فالمال والوقت اللذان سيهدران فيه، يكفيان لصيانة الطرق الفرعية القائمة وإنشاء طرق مماثلة لها، ويغطيان حاجة المنطقة لنصف قرن قادم، ومن غير تعويضات ولا أضرار.
ثانيا: (جسر تلاقي طريق مستشفى الملك فهد مع الطريق العام) وهذا مشروع لا داعي له مطلقا، فعدم الحاجة إليه لقرن قادم واضح تماما، حيث لا تقاطع موجود أصلا ولا زحام مروري، ولا أي شيء، لكنه فوق ذلك يستدعي هدم وإزالة عشرات البنايات على جانبي الطريق بمسافة أكثر من نصف كيلومتر من كل جهة، وهذا يعني تعويضات هائلة لأصحاب تلك المنشآت الجديدة في معظمها، والتي تم إنشاؤها للاستثمار على الطريق العام، ومع هذا كله فالمشروع لم يتقدم عشرة بالمائة منذ أربع سنوات، ولهذا فإزالة ما تم منه أسهل وأوفر من استكماله.
أرجو من وزارة النقل أن توقف المشروعين فورا، وتوجه تكاليفهما لما هو أولى وأهم، وإلا فلتشرح أسبابهما ودواعيهما وأهدافهما، ولتقل لنا كم سيكون سكان وزوار الباحة بعد خمسين سنة، إن كانت مشاريعها تقوم على دراسات وحاجات مستقبلية، لأن المشروعين لا يدلان على شيء من ذلك! وقبل أن تجيب الوزارة أرجو أن يقوم وزير النقل الدكتور جبارة الصريصري بزيارة ميدانية للمشروعين ويصطحب معه من اقترحهما ليشرح له على الطبيعة.