من علامات اللياقة النفسية والعقلية أن يكون لدى المرء قدرة على تغيير مواقفه وآرائه الاجتهادية، إذا ظهر ما يستوجب ذلك، حتى ولو كان هذا التغيير على حساب ثبات صورته كمفكر أو صاحب رؤية وموقف، وهذا النقص المتوهم الذي يشعر به البعض في مثل هذه الحالة ليس إلا حسنة إضافية وميزة عقلية تحسب له، إذ من المعلوم أن النقص وسوء التقدير يلحقان قطعا بالبشر، فلا تخلو جملة أحوالهم منه أبدا، فيغدو التعامل مع هذه الحقيقة، بالتغيير والتعديل، كمالا بشريا بحد ذاته.
ونحن، بكل أسف، نواجه الآن ثقافة مغايرة في هذا الباب تقوم على تقديس الثبات على المواقف، وإن كانت اجتهادية أصلا، وتنفر من المراجعة والتغيير الذي تستوجبه المعطيات الجديدة أو الغائبة ابتداء، فترى من يعد هذا التغيير عيبا ونقصا ودليلا على الاضطراب وفساد الرأي، وهو كذلك فقط حين يكون تخبطا لا يستند إلى سبب أو أكثر يبعث عليه، أما حين يكون الموقف والرأي مستكملا لأدوات بنائه من اعتماده على أدلة أو قرائن تفصيلية صحيحة، ولوحظت فيه الظروف والمصالح والمقاصد المطلوبة وروعيت فيه المآلات ثم طرأ ما يستوجب تغييره وتعديله وهو الأمر الذي يكون نادرا في العادة، فإن من الحكمة المطلوبة شرعا وعقلا أن يرجع الإنسان إلى الصواب إن تبين خطأ الأول أو إلى الأصوب إن رأى أن ألأول أبعد عن الصواب، وإن لم يكن خطأ محضا. ومن تأمل كثيرا من القضايا المعاصرة التي قام الموقف فيها على النظر الاجتهادي، سواء في الجوانب الشرعية أو الاجتماعية أو السياسية أو غيرها، فسيرى بوضوح أنها تقبل النظر المتجدد عطفا على اختلاف الظروف والأحوال والمعلومات وغيرها، وهو ما نبه عليه الفقهاء الشرعيون قديما بالقاعدة المشهورة وهي، لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأحوال والأزمان، ومقصودهم تلك التي نشأت عن نظر اجتهادي وجاءت الفتوى فيها مستجمعة للواقع والحال ومدى وكيفية لحوق الحكم بها وقت وقوعها. ومن تأمل هذا المعنى فربما وجد أن من الواجب عليه، وليس من المستحسن فقط، أن يتأمل مواقفه بين فترة وأخرى ويقلب النظر فيها متى بدا له أدنى اختلاف في موجبها، على أن يكون ذلك بهدوء وتجرد وعلم وصدق.
من صور اللياقة
جميل اللويحق2 دقائق للقراءة

حجم الخط
