في أحد شوارع العاصمة المقدسة وقفتُ أسأل العامة عن موقع النادي الأدبي الثقافي بمكة، لأتعرف على مدى معرفة رجل الشارع عن موقع النادي على أقل تقدير، ولكن كل الإجابات تراوحت بين عدم المعرفة والاعتذار والوصف الخاطئ والآخر التقريبي الذي يبتدئ عادة بكلمة: (أظن أو أعتقد)!
لم أكن بعيدا عن مقر النادي بل كنت في الجهة المقابلة له في شارع العزيزية العام ولكن اهتمامات الناس كانت بعيدة كل البعد عن اهتمامات النادي أو العكس، والوضع هنا ينسحب على كل الأندية الأدبية المنعزلة بأنشطتها وشخوصها النخبويين وفعالياتها الخاصة عن هموم الناس وأحلامهم وتطلعاتهم وما يحاكي واقعهم.
فالمثقفون لدينا يعيشون فعلا في أبراج عاجية، وفي عزلة تامة عن الناس بشكل عام، وهذا ما جعل هذه الأبنية خاوية على عروشها إلا من رهط قليل من المهتمين وبعض موظفيها الملزمين بالدوام والحضور والعمل الإداري.
وسبب هذه الجفوة في تصوري عدم مبالاة الرأي العام بما يقول المثقف لأنه غير مؤثر في القرار الاجتماعي والسياسي، وعدم اكتراث المجتمع بكل الفعاليات الثقافية التي يرون أنها سفسطة لا فائدة منها وجدل مستمر يرتكز على الاستعراض البلاغي وحب الظهور دون تأثير أو جدوى مرجوّة.
والكثير ممن يحاولون الوصول إلى هذه المؤسسات الثقافية يشعرون برهبة ويظنون أن الحضور بتذاكر أو بطاقات دعوة، مما أسهم في خلق حاجز نفسي بينها وبين المواطن العادي، والذي يفترض أن تبادر هذه المؤسسات بكسر هذا الحاجز الوهمي وذلك بعمل شراكات اجتماعية وثقافية وفنية مع القطاعات الحكومية والخاصة، واجتذاب الجماهير وذلك بإحياء قاعات الأندية وجمعيات الثقافة الصامتة في المناسبات، بحفلات تناسب كل الأذواق وتشمل الشعر والموسيقى والسينما وكافة الفنون البصرية على أقل تقدير.
ولعل أدبي مكة قد كسر أفق التوقع بعد أن خرج من معسكر التشدد الذي سيطر عليه عدة عقود، وأخرج المرأة من (قبو) النادي لتشارك في مسرح واحد بجوار الرجل في احتفالية العيد السابقة التي امتلأ بها مسرح المكتبة العامة، حيث امتزج رقص الفرح بغناء الطفولة، وموسيقى الوطن بهتافات الحضور من رجال ونساء، ليتغيّر منطق الصمت والرتابة بأهازيج العيد وتفاعل الجمهور الذي عاش أوقاتا ماتعة مع كل فقرات الفعالية.
الخطوة هي أشبه بمبادرة نحو اجتذاب الجماهير لهذه الأندية الأدبية التي تفتقر للحضور العام وليس النخبوي، فالثقافة ليست شعرا وسردا ونقدا فقط، بل أرى أنها تشمل كل مناحي الحياة والتي تتماس بشكل أو بآخر مع اهتمامات الناس دون تصنيف أو غلو أو تحفّظ ..ويكفي.