قال جون لينون مرة إن «الحياة هي ما يحدث لك بينما تكون مشغولا تضع مخططات أخرى». هذا بالضبط ما يحدث في منطقة الشرق الأوسط في الوقت الحاضر. في الوقت الذي تضع فيه الدول سياساتها بخصوص الأوضاع في سوريا والعراق، يقلب الصعود الخارج عن السيطرة لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) المخططات رأسا على عقب. وهكذا يُعاد وضع السياسات مرات ومرات.
يسيطر تنظيم داعش على نحو ثلث مساحة سوريا وربع مساحة العراق حاليا. وهو يوسع المناطق التي يسيطر عليها يوما بعد يوم ويرتكب مجازر ضد كل من يقف في وجهه. الأسبوع الماضي، وللمرة الأولى، هاجم تنظيم داعش الأكراد العراقيين في شمال العراق. وهو يتقدم في المنطقة بسرعة، ويبدو أنه سيستهدف في الخطوة التالية كركوك وأربيل.
هذا المسار الخطر للأحداث قلب مخططات الولايات المتحدة وبغداد والأكراد في المناطق رأسا على عقب. في البداية، أعلن حزب العمال الكردستاني (PKK) أنه مستعد لتقديم أي تضحية من أجل شمال العراق. بعد ذلك التصريح، سارع المئات من عناصر حزب (PKK) إلى المنطقة، بالإضافة إلى عناصر من حزب الاتحاد الديموقراطي (PYD)، وهو الحزب الأكبر في شمال سوريا وهو مرتبط مع الـ (PKK)، والجناح العسكري له يسمى وحدات حماية الشعب (YPG). مناطق الأكراد في سوريا (روجوفا) لديها خبرة في هذا الصراع لأنها تقاتل ضد داعش منذ عدة أشهر.
هذا التطور حدث مهم، حيث إن أربيل ومعسكر الـ (Pkk -PYD) كانا على خلاف منذ فترة طويلة. لكن صعود تنظيم داعش غير ذلك بشكل مفاجئ. كنت قد كتبت منذ أسابيع أن على أربيل أن تتعاون مع معسكر (PKK-PYD) ضد التهديد الذي يمثله داعش وأن مصالحة هذا الأطراف ليست بعيدة. هذا لأن مصالح هذه الأطراف الاستراتيجية تتلاقى في هذه المرحلة.
استراتيجية الولايات المتحدة في العراق انقلبت رأٍسا على عقب أيضا. سياسة واشنطن كانت كما يلي: «ليرحل نوري المالكي أولا والحكومة الجديدة ستضم السنة والأكراد. وما إن يتمتع السنة بحقوقهم فإنهم سيسحبون تأييدهم لتنظيم داعش، وهذا سيضعف التنظيم في نهاية المطاف. في هذا الوقت سنهاجم المناطق التي يسيطر عليها تنظيم داعش». لكن حقيقة الأمر أثبتت أنها مختلفة عن هذه السياسة. تنظيم داعش لم ينتظر حتى تشكيل الحكومة الجديدة وانقلاب مؤيديه السنة عليه. ولهذا كان على الولايات المتحدة أن تغير مخططاتها على هذا الأساس. في 8 أغسطس، أعطى الرئيس الأمريكي باراك أوباما تفويضا للقوات المسلحة الأمريكية لشن ضربة جوية ضد داعش في حال تعرضت المنشآت الأمريكية والأفراد الأمريكيون في العراق للخطر. كان أوباما يشير بذلك إلى القنصلية الأمريكية ومركز العمليات المشتركة في أربيل. وفيما بعد في ذلك اليوم، هاجمت القوات المسلحة الأمريكية مواقع المدفعية التابعة لداعش في شمال العراق.
لكن أي ضربة جوية ستكون محدودة مثل الضربة التي نُفذت في 8 أغسطس، ولن تقوم بها أمريكا إلا في حال تعرض المصالح الأمريكية للخطر بشكل مباشر وسيتم استهداف مواقع داعش فقط. هذا لأن الولايات المتحدة لا تريد أن تتدخل في حرب في العراق مرة أخرى وتفتح جبهة ضد داعش. الجنرال مارتن ديمبسي، رئيس هيئة الأركان المشتركة في الجيش الأمريكي، حذر من مخاطر أن يشن داعش هجمات شبيهة بهجمات 11 سبتمبر ضد الولايات المتحدة. ومع ذلك كان على أمريكا أن تغير سياستها على المدى القصير وتلجأ للضربات الجوية دون انتظار رحيل نوري المالكي. إذا لم يتم وقف الصعود الخارج عن السيطرة لتنظيم داعش، فإن مخططات الولايات المتحدة سوف تستمر في التغيير.
التغيير الأكثر إثارة للاهتمام حدث على خط أربيل – بغداد. في وقت مبكر من الأسبوع الماضي، أرسل المالكي القوات الجوية العراقية لدعم قوات البشمركة الكردية. هذا أيضا حدث مهم لأن العلاقات بين بغداد وأربيل كانت سيئة لفترة طويلة، حتى إن المالكي كان يتهم أربيل بدعم تنظيم داعش. والآن وجد الطرفان نفسيهما مضطرين للتعاون في وجه داعش.
موقف تركيا معقد إلى درجة كبيرة. فهي تشعر أن تهديد داعش على حدودها يزداد كل يوم. بالإضافة إلى ذلك، هناك خطر متزايد بأن تقوم داعش بهجوم داخل الحدود التركية. أنقرة ستأخذ مكانها بالتأكيد في هذه التحالفات التي تتشكل حديثا ضد داعش. من المؤكد أيضا أنها ستتحالف مع الولايات المتحدة وتنضم إلى المعركة بشكل غير مباشر وسلبي قدر المستطاع.