انفردت جريدة الرأي الكويتية بالخبر التالي الذي يشيب له الولدان:
(تدرس الحكومة المصرية مقترحاً لمنح الجنسية المصرية إلى عرب وأجانب ومن بينهم فئة غير محددي الجنسية «البدون» الموجودين في دول الخليج، مقابل ودائع أو مساهمات دولارية.
وقال مسؤول حكومي في مصر، إن بلاده تدرس مقترحًا بتأسيس صندوق استثمار يقوم على جمع رأسماله من خلال منح الجنسية المصرية إلى العرب والأجانب، مقابل ودائع أو مساهمات دولارية، تتفاوت قيمتها وفقًا للأجل الزمني المقرر لمنح الجنسية.
وأوضح المسؤول، أن رئيس الاتحاد العربي للاستثمار المباشر محمد سامح، هو صاحب المقترح، التقى وزيريّ الاستثمار والسياحة، ومستشار وزير المالية، الذين رحبوا بالمقترح، ووعدوا بمناقشته بجدية في مجلس الوزراء المصري).
وأحب أن أناقش هذا الخبر المذهل من زواياه التالية..
أولا: البدون أو غير محددي الجنسية في الكويت وغيرها من دول الخليج، هم في معظمهم، مواطنون عرب كاملو الأهلية، لا تنقصهم إلا الأوراق الثبوتية، وهم بالتالي أهلنا، الذين لا نعتبرهم مشكلة نبحث لها عن حل يتمثل في (تصديرهم إلى الخارج)!
وحتى غير العرب - أصلا- منهم، هم في العرف، عرب مستعربون، والذي يقرأ تاريخ هذه الأمة الموغل في القدم، يعرف أن العرب، عاربة ومستعربة، وكلاهما عربي أصيل، بل إن قريشا نفسها التي خرج منها أشرف الخلق عليه الصلاة والسلام هي في أكثر التقديرات التاريخية، من العرب المستعربة لا العاربة.
البدون في الخليج عرب مستعربون - ولا شك لدي في ذلك - ولهم ما لنا وعليهم ما علينا، نحن الذين نرى في العروبة هويتهم.
ثانيا: على دول الخليج أن تنظر بشجاعة إلى تكوينها السكاني الراهن، وأن تبدأ بالتعامل معه تعاملا منصفا وعقلانيا، فالأسر التي استوطنتها منذ عقود، وسُمح لها بالبقاء على أراضيها، والتطبع بطباع أهلها، وتبني لهجاتهم، وأزيائهم، وعملت أعمالا منتجة ساهمت في رفعة تلك الأوطان، ثم شاءت أن تنال شرف المواطنة والجنسية، ينبغي أن تحصل عليه..على أن تكون هناك ضوابط صارمة تتعلق بالموجات الحديثة من الوافدين..
ثالثا: مصر هي وطن العرب جميعا، وكل عربي هو مصري كذلك، دون حاجة لصفقات تجنيس مدفوع الثمن، وتخيب أم الدنيا خيبة الدهر إن هي نسيت تلك الحقيقة الراسخة تاريخيا ووجدانيا، وشرعت في مقايضة العرب على بيتهم الكبير، بمنطق ادفعوا لي ثمن أنني وطنكم.
رابعا: يقول المثل الشهير «تموت الحرة ولا تأكل بـ...جنسيتها»!
وهو المثل الذي يختصر الحال الذي ستصبح عليه الدولة المصرية إن هي أقرت سابقة من هذا النوع.. فما الذي يمنع بعد ذلك من أن يأتينا من يقترح علينا منح الجنسية المصرية لكل تجار المخدرات في كولومبيا، ولكل تجار الرقيق الأبيض في روسيا، ولكل تجار السلاح في أمريكا، ولكل أعضاء المافيا في إيطاليا، والياكوزا في اليابان..إلخ، ما دام هؤلاء يتمتعون بثروات طائلة تمكنهم من إنعاش الاقتصاد المصري؟!
وأنا لا أضع البدون الخليجيين في نفس الكفة مع مليارديري الجريمة المنظمة هؤلاء، وحاشاي أن أفعل، فالبدون هم أهلنا كما أسلفت، لكنني أتحدث عن المبدأ نفسه، مبدأ بيع الجنسية مقابل ثمن مدفوع، أو استثمار موعود!
خامسا: ظللنا نطالب بحلول مبتكرة، وخارج الصندوق، لمشاكل مصر الاقتصادية الأليمة الخانقة، لكننا لم يدر بأذهاننا قط، أن أحدا يمكن أن يخرج ليس فقط خارج الصندوق، بل خارج حدود المنطق والكرامة الوطنية والعروبة، فيقترح اقتراحا كهذا.. والمرعب أن الحكومة المصرية ستدرس الاقتراح!
لكنني أطمئنكم، إذ حتى لو قبلته الحكومة مبدئيا، فإن الشعب المصري سيرفضه، وسيرغم الحكومة على رفضه، فالشعوب في تلك الأحوال، تمتلك بوصلة لا تحيد عن الفطرة الوطنية والقومية السليمة، حتى وإن حادت عنها حكوماتها..
الجنسية المصرية ليست للبيع، وخصوصا للعرب، لأن العرب كلهم - عاربين ومستعربين - يحملونها تلقائيا منذ مولدهم، ومصر هي بيتهم الكبير، ويا لضيعة ما تبقى من ثوابتنا القومية إن نحن نسينا ذلك، ويا لخسراننا إن نحن فتحنا الباب للاتّجار في أهلنا وفي كرامتنا.