تغَنّى أهلنا بالمهن والحرف..رقّصوها وهشّكوها وبشّكوها، حتى سار بذكرها رُكبان البر وربابنة مراكب البحر..أكلوا وشربوا معها بعرَق الجبين ودمع العين..هاموا بها مثلما هام قيس بليلى الذي «رجع ووجهه يقمّر عيش»..معليش يا ابن الملوح.
منهم من عشق صنعة النجارة.. يضرب بالقدّوم ويمسح بالفارة.. و»القدّوم» لمن لا يعرفه هو حديدة أشبه بالمطرقة له مقبض مثل أخته المذكورة المشهورة «المطرقة»، التي لا تزال على قيد الحياة، غير أنّ «للقدوم» حّدا أفقيا قاطعا مثل «المِسْحاة» التي تستخدم في الأرض مع الفارق في الحجم.. ولا أزيد على هذا حتى لا يسخر منّي النجارون القُدامى، فيقال فيّ وفي أمثالي من «رغاة» الكَتَبة: «فسّر الماء بعد الجهد بالماء»!
وإنك لتجد في سمسمية أهل المغنى من «الينبعاوية» هذا الشجن والارتباط الحميمي بـ»الصّنعة» حتى قال قائلهم «صنعة أبوك لا يغلبوك».. دلّعوها وعزفوا لها على أوتار الضلوع كما تعزف المطرقة على المسمار:
«حبيبي صنعته نجار.. بنى لي قصر بالمنشار»..
ومثلها مهنة «الصيد» بالشِّباك والمخدجة والمشنّة وغيرها:
«حبيبي صنعته صياد، يبيع الحوت في مشنّة»..
والمشنة تستعمل لصيد الأسماك الكبيرة والصغيرة، مثل الهامور والنقرور.. وطبعا تعرفون سمك «الهامور» وابن خالته أو عمته «الشعور»، أمّا «النقرور» فعلمي علمكم، اسألوا عنه «نواخذة» الساحل الشرقي، أهل «يا مال يا مال» أو حبايبنا في «ينبعك والسلامة»!
ولقي العطار نصيبه ـ إضافة للسبع بنات ـ كاملا غير منقوص.
«حبيبي صنعته عطار.. يبيع العطر بالقنطار».. كان ذلك أيام الحزازير والفوازير، وأيام «طاسة طرنطاسة» في البحر غطّاسة.. و..بخٍ بخٍ يا نور الشريف في العطارة والخُردة وخلافه..وإللّي أعطاك بـ»القفّة» يدّينا بـ»الزنبيل»!