في كل بيوت المسلمين وفي مشارق الأرض ومغاربها تتحلق العوائل حول موائد الإفطار بسعادة وهناء، يشكرون الله على ما رزقهم ويرجونه أن يتقبل منهم صيامهم وقيامهم ولكن ليس في غزة وليس هذا العام.
يستقبل أهلنا في غزة ليلهم بخوف ووجل وترقب لأنه وعند غروب الشمس بالذات تبدأ الطائرات بالتحليق من فوقهم وتبدأ البوارج والدبابات بإطلاق نيرانها من أمامهم وخلفهم وعن أيمانهم وشمائلهم... إن ليل غزة يحترق.
كان الدكتور (خليل كتاب) في غرفة العمليات يجري عمليات متلاحقة لمصابين وذلك في مستشفى الأقصى بدير البلح وسط غزة حين سمع صوت أربع انفجارات متعاقبة أسفل مبنى المستشفى وحين هبط مسرعا رأى منظرا مروعا للغاية، كانت الصواريخ الأربعة قد اخترقت أروقة المستشفى وأصابت العاملين فيه (رأيت أربعة من الشهداء وعشرات المصابين الملقين على الأرض وكلهم من العاملين، أطباء، وممرضين، ومدراء وموظفين) كما يقول الدكتور «كتاب» في مداخلة له: (يا إلهي ماذا سنفعل حيال هذا الوضع، الطاقم الطبي الذي نحن بحاجة ماسة إليه يحتاج إلى رعاية).
داخل غزة لا يوجد شيء على الإطلاق لا ماء، لا كهرباء، لا وقودا، لا غذاء ولا هناء. عندما ننعم نحن في منازلنا وبين أهلينا يجب علينا تذكر أن هناك أكثر من 120،000 من العوائل هم الآن لاجئون ولكن داخل بلادهم، وهناك ما هو أمر من ذلك، هؤلاء اللاجئون ليسو بمنأى عن القتل والتدمير لأنه لا توجد قدسية لأي شيء في ضمير العدو إن كان له ضمير، لا مسجد ولا كنيسة، لا مستشفى أو مخيم أو حتى مقابر كل شيء قابل للقصف والقتل والتدمير. كل طفل في غزة جاوز السبع سنين يكون في رمضاننا هذا قد أدرك ثلاثة حروب شرسة للغاية والعدو فيها لا يرحم، كل طفل قد عاش آلاف المآسي ورأى مئات القتلى وآلاف الجرحى وأعنف مشاهد القصف والتدمير وشهد سقوط عشرات ومئات المباني.
ما يحدث في غزة أمر يفوق الوصف، هل تعلم أن العوائل بدأت توزع أفرادها في عدة منازل، هل تعلم لماذا؟
لأن مأساة عائلة «أبو جماح» ماثلة أمامهم، تلك العائلة التي استشهد من أفرادها 23 فردا بقذيفة واحدة وفي لحظة واحدة، وأهل غزة يفعلون ذلك رجاء أن يعيش البعض إن استهدفت المنازل السكنية.
عذرا غزة لن أوجه لك رسالة بل سأوجهها لنا نحن:
وأنت تعود لبيتك فكر بغيرك
لا تنس شعب الخيام
وأنت تنام وتحصي الكواكب فكر بغيرك
ثمة من لم يجد حيزا للمنام
وأنت تحرر نفسك بالاستعارات فكر بغيرك
من فقدوا حقهم في الكلام
وأنت تفكر في الآخرين البعيدين فكر بنفسك
قل يا ليتني شمعة في الظلام
ليل غزة يحترق
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
