مثلث روسي تركي خليجي جديد في الشرق الأوسط

عصام عبدالله - واشنطن

يبدو أن الشرق الأوسط على أعتاب تحولات استراتيجية قد تغير نمط العلاقات والتوازنات المستقرة منذ عقود بين القوى الإقليمية والدولية، أبرز ملامحها التقارب غير المسبوق بين تركيا وروسيا، ودول مجلس التعاون الخليجي.

نهاية اليقين

قبل أن يلم 2014 أذياله ويرحل، أبرمت روسيا وتركيا 8 اتفاقات حول الطاقة والغاز، عدت في نظر المراقبين ضربة للتحالفات القديمة في الشرق الأوسط خاصة للولايات المتحدة والغرب، وحلف شمال الأطلنطي (الناتو) الذي يمارس ضغوطا غير مسبوقة، منذ نهاية الحرب الباردة 1989، ضد روسيا في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وأوروبا.
تركيا هي ثاني أكبر جيش في الناتو، وتمتلك أهم قاعدة عسكرية في البحر المتوسط لعمليات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط الكبير، أدركت أيضا ـ بعد الأحداث الكارثية في العراق وسوريا - أن سيادتها وحدودها وأمنها القومي أصبحت مهددة، وأن مصالحها المباشرة والعاجلة ليست مع الولايات المتحدة أو الغرب.
أضف إلى ذلك أن الولايات المتحدة بعد إنجاز الاتفاق النووي الوشيك مع إيران، لن تعتمد على تركيا في موازنة النفوذ الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، ولن تكون أنقرة، الحصان الأمريكي الرابح للحد من نفوذ طهران الإقليمي.
فقد تلعب إيران دورا إقليميا مؤثرا حسب السيناريو الأمريكي المرسوم لما بعد الاتفاق التاريخي مع طهران، بأن تحسم موقع نفوذها في العراق وسوريا واليمن ولبنان وسوريا وغيرها، وهو ما يؤمن لها - وبدرجات متفاوتة - قوة تأثير كبيرة وأوراق ضغط تساعدها على التمدد بسهولة في المنطقة.
ناهيك عن أن نتائج ما يحدث في العراق وسوريا الآن ستؤدي حتما إلى خسارة نفوذ تركيا في المنطقة، خاصة بعد إقامة دولة كردستان الكبرى ما يعني تفكيك تركيا وتهديد وجودها في مقتل.

ضغوط النات

وأما روسيا فكانت وما زالت تستشعر الخطر والتهديد المستمر من الناتو.
الأخطر من ذلك هو قلق موسكو المتصاعد من تحركات الناتو وأهدافه الاستراتيجية، وهو ما يكشف بالفعل عن الأسباب الحقيقية لدعم موسكو لنظام بشار الأسد.
إن ما يقلق روسيا ليس سقوط الأسد وإنما «الأمن القومي الروسي» ونشر الناتو الدرع الصاروخية في أوروبا، إن توسيع أعمال الناتو باتجاه الشرق يهدد بنشوب صراعات إقليمية قد تتطور لحرب شاملة.

تبديد المخاوف

العلاقات الاقتصادية الجديدة بين تركيا وروسيا يمكن أن تبدد المخاوف التاريخية القديمة، لأن سواحل البحر الأسود الروسية ابتداء من مدينتي سوتشي وعنابا وما بعدهما، كانت في الماضي تحت السيادة التركية.
وكان نشر تركيا صواريخ هوك، بالقرب من قرية قلعة التابعة لمدينة هاتاي الحدودية مع سوريا، ردا - حسب صحيفة «ميلليت» التركية - على نشر سوريا بطاريات صواريخ سكود الروسية في القامشلي وعين ديوار، وهي مناطق حدودية مع تركيا.
العقبة الكأداء التي وقفت حجر عثرة في وجه العلاقات بين روسيا وتركيا تمثلت في الأزمة السورية، حيث يتعارض موقف البلدين.
لكن يبدو أن التطورات الدراماتيكية في الشرق الأوسط اضطرت البلدين لتقديم مصالحهما، لذا سعت روسيا إلى تغيير التوازنات في المنطقة، عبر محورين: الصين في الشرق وتركيا في الغرب.
إن التقارب الروسي ـ التركي قد يغير التوازنات في المنطقة برمتها، فقد تكسب روسيا حليفا استراتيجيا بالشرق الأوسط، ما يعني عدم خروج موسكو، في حال سقوط نظام الأسد، من منطقة البحر المتوسط.
كما أنها ضمنت تحييد تركيا وعدم استخدامها من قبل الغرب ضد مصالحها في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.

تركيا والخليج العربي

إذا كانت تركيا تعد قوة إقليمية مؤثرة تجيد لعب الأدوار المركبة والمتعددة، مع معظم دول الشرق الأوسط بلا استثناء، فإن مكمن قوة تركيا يتمثل في تعزيز وجودها في العالم العربي للاستفادة من التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط، وأن تتجنب السيناريو (الفخ) المنصوب لها عبر داعش وتقسيم العراق وسوريا، فضلا عن إقامة دولة كردستان الكبرى.
تركيا بحاجة إلى التنسيق الاستراتيجي مع دول مجلس التعاون الخليجي تحديدا، بالتزامن مع العلاقات الاقتصادية مع روسيا حتى تكتمل أضلاع المثلث الجديد في الشرق الأوسط، وربما يمثل ذلك أحد أهم تحولات القوة في الشرق الأوسط الجديد والعالم، حيث يمثل الخليج العربي بالنسبة لتركيا قلب العمق الاستراتيجي، فما ينقص تركيا كقوة إقليمية يمكن أن تفوق القوى الإقليمية الأخرى، ويجعل منها رقما صعبا بالنسبة للاتحاد الأوروبي، هو (العمق الاستراتيحي)، وهو عنوان كتاب مهم لمهندس السياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية رئيس الوزراء الحالي الدكتور أحمد داود أوغلو.