جاء تقدم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، المعروف بـ «داعش» في أراض محسوبة على إقليم شمال العراق الغني بأكثر من 14 حقلا نفطيا معروفا خاضعة جميعها لحكومة الإقليم، وسيطرته على حقلي عين زاله وبطمه بعد سيطرته على ناحية زمار في مقدمة الأسباب التي أقلقت أربيل ودفعتها للتحرك على الأرض بأكثر من اتجاه لوقف تمدد هذه المجموعات نحو مناطق نفوذها وخاصة التي تتمركز فيها ثرواتها.
أصبح أكراد شمال العراق مجبرين هذه المرة وأمام خطر «داعش»، التي سيطرت بعد موجة هجمات شرسة انطلقت قبل شهرين على مناطق واسعة في محافظات نينوى وصلاح الدين وكركوك وديالى إضافة إلى مناطق أخرى في الأنبار غرب العراق.
ومن أهم خطوات الأكراد السيطرة على مناطق إقليم كركوك الغني بالنفط، الذي شهد حفر أول بئر نفطية بالبلاد في 1927، وتضم أراضيه رابع أكبر حقل نفطي في العراق، ويسهم حاليا وحده بنحو نصف إنتاج البلاد من النفط.
رسالة مطلع يوليو المنصرم التي وجهها رئيس الإقليم مسعود البارزاني حول أنه لن يتراجع عن بسط السيطرة على المناطق المتنازع عليها بما فيها كركوك حركت مجددا ملف الطاقة في شمال العراق والسيناريوهات والاحتمالات المطروحة.
الملفت حسب كثير من المحللين الاستراتيجيين كان هنا تحرك أربيل للدخول إلى كركوك قبل قوات داعش، و»تفهّم» أنقرة لهذه الخطوة في مثل هذه الظروف الأمر الذي اعتبر جزءا من التعاون الاستراتيجي بين أربيل وأنقرة الذي انطلق بعد سنوات طويلة من القطيعة والابتعاد. نفط إقليم شمال العراق له حصته الكبرى في هذا التقارب، تركيًا وكرديًا.
قصة نفط إقليم كردستان العراق متداخلة متشابكة لن تتوضح معالمها قبل حسم ملف داعش أولا ثم صدور القرار حول مستقبل العملية السياسية في العراق ثانيا وتحديد مصير العديد من المدن التي وضعتها تركيا على الخط الأحمر في علاقاتها مع أربيل مثل كركوك والموصل ثالثا.


إعادة معادلة المحاصصة

أكراد إقليم شمال العراق جمعوا كثيرا من الهدايا بسبب تحالفهم الاستراتيجي مع أمريكا منذ التسعينات، وجنوا الربح الأكبر بعد عملية غزو العراق في 2003 التي أعطتهم كثيرا مما يريدون في دستور 2005 ثم في دستور الإقليم المعلن في2007، لكن عملية «داعش» الأخيرة في وسط وشمال العراق قلبت الحسابات رأسا على عقب، ودفعت كثيرا من اللاعبين الإقليميين وعلى رأسهم أنقرة لمراجعة مواقفها وسياساتها هناك لناحية تعزيز تعاونها مع حكومة أربيل.

 

ما وراء قرار تصدير شمال العراق للنفط

عندما وقف وزير الموارد الطبيعية في كردستان العراق اشتي هورامي يبرر أسباب قرار حكومة إقليم شمال العراق في تصدير النفط إلى الخارج، ويقول إن حكومة نوري المالكي وقراراتها وطريقة تعاملها معنا هي التي دفعتنا لاتخاذ قرار بهذا الاتجاه، وإن بغداد خفضت حصتنا إلى %10 بدلا من %17 المتفق عليها في الدستور المعلن في 2005، ثم أوقفت تماما إرسال حقوقنا في الميزانية منذ بداية العام المنصرم، ولم يتحرك المجتمع الدولي لقول أي شيء لحكومة المالكي وهو نفسه اليوم الذي يطالبها بالحذر والروية في التحرك وعدم تهديد وحدة العراق. ويتابع هورامي «الإقليم يعتزم مواصلة تصدير النفط، وسيكون قادرا على بلوغ مخصصاته في الميزانية عن طريق شحنات النفط الخام المباعة إلى الخارج».
المشكلة الجديدة التي ستواجه مسار العلاقات بين بغداد وأربيل هي أن الأكراد لن يقبلوا بعد هذه الساعة وفي إطار أي اتفاقية تفاهم على توزيع الحصص، بأقل من 25% من إجمالي مبيعات النفط العراقي، كما يقول.
المتحدث الرسمي باسم حكومة الإقليم سفين دزيي، يقول: الحرب التي قرر أكراد الشمال خوضها ضد «داعش» وسيطرتهم على مدينة كركوك النفطية سيكون لهما تأثيراتهما المباشرة خلال عملية التحاصص الجديدة.
المعروف حتى الآن هو أن أربيل تعلن أنها متمسكة حتى النهاية بالوصول إلى مطالبها عبر الحوار مع بغداد إلا أن بغداد تعرف تماما أن إقليم كردستان أصبح أقوى مما كان عليه في السابق سياسيا وجغرافيا واستراتيجيا شرط أن يتجاوز حاجز «داعش» والحرب المنتظرة بينهما.


تركيا تتمسك بدور الوسيط وليس تاجر النفط

الحكومة التركية تقول أيضا إنها تستغرب ردة فعل حكومة نوري المالكي العراقية وقرار توجهها إلى التحكيم في أعقاب قرار أنقرة السماح ببدء تصدير نفط إقليم شمال العراق عبر أراضيها إلى الخارج.
وزير الطاقة التركي تانير يلدز يقول: نحن لم نخل بحقوق العراق والحكومة المركزية ولم ننكر حقها في هذه الصفقات المعقودة مع إقليم شمال العراق.
أنقرة التي رفضت دائما أي دور لها في بيع النفط الكردي لإسرائيل تصر على أنها مجرد وسيط في نقل هذه المادة إلى خارج حدودها المائية. بشكل آخر، حكومة إردوغان تجدد كذلك التزامها القانوني والسياسي حيال بغداد وأربيل، مشيرة إلى أن مداخيل النفط التي ستتسلمها سيتم توزيعها بحسب الدستور العراقي والاتفاقات الموقعة بين بغداد وأربيل وأن حصة بغداد التي ستقدم لها هي %83 من المبيعات، أما حصة أربيل فهي %17 سيتم توزيعها بعد سحب قيمة المصاريف والمستحقات التركية. لكن حكومة العدالة والتنمية وفي نفس الوقت تريد أن تلعب ورقة نحو 60 مليار برميل من احتياط النفط في شمال العراق خصوصا أن التعهد التركي لم يكن في منع تصدير النفط عبر أراضيها بل إعلام بغداد وحماية حصتها في صفقة من هذا النوع.
أنقرة أعلنت أكثر من مرة وعلى لسان وزير الطاقة التركي تانير يلدز أنها لا تتدخل في عمليات التسويق والبيع وأن كل ما تقوم به هو تأمين نقل المادة عبر أنابيب أنجزتها العام المنصرم مع مناطق شمال العراق باتجاه ميناء جيهان ليتم من هناك شحن المادة بحرا. وكل ما تقوم به هو تقاضي ثمن الشحنات ووضعها في مصارف تركية لتقوم بتقديمها للأطراف المعنية بحسب التفاهم المعلن، بعد أن تأخذ عمولتها التي يقال إنها تصل إلى %5، هذا إلى جانب شراء النفط بأسعار مناسبة وتوزيعها في السوق المحلي الذي لم يستفد حتى الساعة رسميا من هذا التفاهم بين أنقرة وأربيل.

 

نقلة استراتيجية للاعتراف باستقلالية شمال العراق.

الإعلامي التركي مراد يتكين يرى أن إبعاد النقلة الاستراتيجية هذه بين أربيل وأنقرة تحمل أكثر من رسالة، أهمها الاعتراف الرسمي التركي بإقليم شمال العراق وقدرته على توقيع العقود والاتفاقات. ثم توسيع رقعة التعاون الاستراتيجي بين الجانبين الذي يساعد تركيا في حل أزمتها المزمنة في القضية الكردية ومسألة حزب العمال الكردستاني الذي تواجهه في جبال قنديل.
لكن دخول واشنطن مجددا على الخط بسبب انزعاجها من التقارب التركي الكردي الذي لا تريده أن يكون على حسابها أو على حساب شركائها في المنطقة مثل حكومة المالكي بات يقلق أربيل وأنقرة ويدفعهما للتحرك بحذر خصوصا في موضوع داعش التي قد تتحول إلى مصيدة تلعبها بعض القوى ضد رجب طيب إردوغان ومسعود البرزاني كما يرى الأكاديمي التركي حسين باغجي أستاذ العلاقات الدولية.
احتجاز باخرة النفط الخام أمام سواحل تكساس التي كانت تنقل حمولة مليون برميل من النفط الخام بقيمة 100 مليون دولار أمريكي كانت الترجمة العملية الأولى للموقف الأمريكي حيال هذه الأزمة ووقوفها إلى جانب بغداد. فالإدارة الأمريكية يبدو أنها رفضت هنا هذا التنسيق الكردي التركي الذي سيكون على حساب نفوذها وهيمنتها وعلاقاتها ببغداد. واشنطن التي أعلنت أنها «لن تدعم ضخ بترول شمال العراق إلى الأسواق العالمية دون موافقة الحكومة المركزية العراقية» تريد أن تبقى في قلب المعادلات حتى ولو كانت داعش هي التي تعمل على تعقيد الأمور وقلب الحسابات والتأثير فيها كما يقول باغجي.

 

تشابك المصالح بين الأطراف للاستفادة من الإقليم

شمال العراق الذي يشهد نشاطا تجاريا إنمائيا؛ تتنافس عليه 20 دولة تتقدمها أمريكا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا، ولا يمكن للجار التركي أن يكون بعيدا عنه. أنقرة تعد ثروات طاقة شمال العراق التي تصل إلى 45 مليار برميل من النفط الخام، وغاز طبيعي يتراوح مقداره بين 3 و6 تريليونات متر مكعب فرصة ثمينة لا تعوض بالنسبة لها لسد احتياجاتها من المادتين وتخفيف ارتباطها بإيران وروسيا في هذا المجال الذي ينعكس مباشرة على قراراتها السياسية في علاقاتها بالبلدين.
المحلل الاقتصادي التركي غونتاي شيمشاك يقول إن أنقرة تستعد وبالتنسيق مع أربيل عبر عشرات الزيارات واللقاءات المتبادلة على أعلى المستويات لخطة تحرك من هذا النوع، تكون هي فيها دينامو مشروع نقل نفط إقليم كردستان إلى الخارج عبر شاحنات نقل أولا ثم إنجاز خط إضافي بين أربيل وتركيا يربط بخط كركوك جيهان التركي. ويتابع شيمشاك: أنقرة ومن خلال التحرك بهذا الاتجاه تريد إصابة أكثر من عصفور بحجر واحد: تحسين علاقاتها مع أربيل وتوسيع رقعة التبادل التجاري ثم تأمين جزء من احتياجاتها النفطية من شمال العراق وبعدها لعب دور الوسيط في نقل كميات كبيرة من النفط إلى الخارج عبر ميناء جيهان التركي. وأن يتوج هذا التعاون بالتنسيق الأمني والسياسي في التعامل مع ملف القضية الكردية أهم العقبات التي تقف حجر عثرة أمام أنقرة في المنطقة.


جيهان المنفذ لتطبيق تفاهم أربيل - أنقرة

مشروع أربيل الذي أطلقته بالتفاهم مع أنقرة بوابتها نحو العالم الخارجي عبر ميناء جيهان المطل على البحر المتوسط، هو زيادة صادرات النفط إلى ما بين 200 و250 ألف برميل يوميا خلال الأشهر المقبلة ثم رفع الرقم إلى 400 ألف برميل يوميا قبل نهاية العام الحالي.
أربيل نجحت في تنفيذ تهديداتها وصدرت بالفعل وباعت حمولة ناقلتين من النفط ثم تحركت باتجاه تحميل ناقلتين أخريين بالنفط الخام من ميناء جيهان على البحر المتوسط في 22 يونيو رغم احتجاجات شديدة من حكومة بغداد التي حاولت عرقلة البيع. لا بل إن الأرقام شبه الرسمية تقول إن أربيل نجحت في نقل نحو 120 ألف برميل من الخام يوميا باتجاه ميناء جيهان في أضنة التركية وتسعى لرفع الرقم إلى 400 ألف برميل، مذكرة أن الخط كان يضخ 600 ألف برميل في الأعوام السابقة. معلومات من مصادر تركية شبه رسمية حول سعر مبيعات نفط شمال العراق تبين أنه يتراوح بين 50 و60 دولارا للبرميل الواحد أي نحو نصف السعر العالمي المعروف، مما يشكل عنصر جذب أساسي للشركات العالمية للمغامرة في شراء هذه الحمولات.
أنقرة تردد من صوبها أن من بين الدول التي ستشتري هذه الكميات: فرنسا واليونان وألمانيا وإيطاليا، وأن العملية الأولى ستشمل مليون برميل من النفط المخزن في مصافي جيهان التركية الواقعة في مدينة أضنة وتركيا لن تستفيد من هذه الكميات قبل التفاهم بين بغداد وأربيل.


تحالف محاط بعدم الرضا من اللاعبين الإقليميين

خبراء نفط أتراك يرون أن شركات نفط إنجليزية تتقدمها شركة «غولف كاي ستون» هي التي تدعم وتشجع على إنجاز مشروع نقل 420 ألف برميل من النفط الخام يوميا تكون حصة إسرائيل فيها 260 ألف برميل، وهي مغامرة سياسية كبيرة في مثلث أنقرة أربيل وتل أبيب باتجاه مصالح اللاعبين الإقليميين والدوليين في المنطقة، فهل سيسمح هؤلاء ببناء تحالف من هذا النوع بمثل هذه البساطة؟
المحلل التركي أفق شانلي يرى أن أربيل التي تعمل منذ سنوات على جلب الشركات العالمية للاستثمار في مناطقها في مجالات التنقيب عن النفط والغاز واستخراجهما تعاني في هذه الآونة من مشكلة تسويق هذه المادة وبيعها ثم من مشكلة مشروعية ما تقوم به في السوق العالمي الذي لاقى اعتراضات حكومة بغداد و»تحرمها» القانوني لقطع الطريق على أربيل.
شانلي يقول أيضا إن بغداد تتهم أربيل وشركاءها الإقليميين والدوليين بالتحرك على مزاجهم دون الأخذ بعين الاعتبار مصالح لاعبين دوليين آخرين، حيث وصلت خسائر بغداد كما تقول إلى 34 مليار دولار بسبب التجارة النفطية غير الشرعية التي أقامتها مع إسرائيل.
حديث رئيس حكومة إقليم شمال العراق نيجر فان البرزاني في منتصف يونيو المنصرم حول تنسيق استراتيجي بعيد المدى بين أنقرة وأربيل وأنه يمتد إلى أكثر من نصف قرن، ويشمل العديد من الجوانب التجارية والإنمائية أقلق البعض وأخاف آخرين، خصوصا الذين راهنوا على بقعة شمال العراق لتكون سوقا تجارية جديدة وقفزة استراتيجية لهم باتجاه المنطقة.
الإعلامي المتخصص في مجال الطاقة سليم أتالاي يرى أن هناك نفطا مدفونا تحت الأرض لا قيمة تجارية ومالية له، ولا بد من استخراجه وبيعه، وهذا ما تفعله أربيل بالتعاون مع أنقرة. لكن حسابات الجانبين تتعارض وتتضارب مع حسابات لاعبين محليين وإقليميين ودوليين آخرين، فمن الذي سيحسم الموقف لصالحه بعد الإطاحة بعقدة داعش حجر العثرة في هذه الآونة؟