كيف يكتب كاتب كبير عن الحرب وهو ضدها من حيث الجوهر، لأن نتائج الحروب هي التدمير والموت والحرق واليتم؟ كيف يكتب عنها من دون أن يمجدها ويحتفي بخرابها، حتى عندما تكون هذه الحروب عادلة لأنها دفاعية وليست معتدية.
نص مثل الألياذة والأوديسة ما يزال حتى اليوم نشيدا قاسيا للأثر التدميري للحروب لأنه أثارها ولم يمجد إلا البطولات من كل الأطراف والقيم العليا. لمن تدق الأجراس لهيمنغواي التي جسدت قسوة الحرب الأهلية في إسبانيا، لم تأخذ من الحرب إلا جانبها الصامت الذي يدفع إلى التفكير العميق في هشاشة الجسد والحب. وكذلك الدار الكبيرة لمحمد ديب التي بينت مآسي هذه الحروب وتفقير الناس وانهيار القيم من دون أن تمنحها أكثر ما تستحق لأنها في النهاية حرب أي إفناء للعنصر البشري.
لهذا عندما يحتوي الأدب الظاهرة الحربية ويحولها إلى موضوعة أدبية يُفترض أن يذهب نحو عمقها الإنساني. ولكن مناصرة الحرب كحرب وتمجيدها لأنها وسيلة انتقامية لا مكان له في الأدب الأدب الإنساني. فالحرب تنتزع إنسانية الإنسان والكتابة في جوهرها تستعيدها.
اللغة الأدبية هي مصالحة من الكيانات المنهارة. الأدب قيمة إنسانية متعالية تنتصر للخير وتفضح القتلة. لهذا، فالعمل على العنصر الإنساني ورفض فكرة الحرب حتى كونها عادلة في النص الأدبي، مهم جدا لأنه يضع السجالية حول هذه الموضوعة في مكانها الطبيعي. نسأل اليوم ذاكرتنا القرائية: ماذا بقي من النصوص التي مجدت الحروب العربية بما فيها حرب أكتوبر 1973 التي كاد العرب أن ينتصروا فيها؟ تكاد النصوص تحسب على رؤوس الأصابع.
القيمة الإنسانية والإلحاح على الإنسان كقيمة متعالية هو الأهم في مثل هذه النصوص والاصطفاف مع العدالة حتى ولو كان ذلك يناهض العادات التي تعلمناها حول مناصرة الذات واعتبارها منتصرة حتى في حالة هزيمتها.
حوصر الطاهر وطار عندما نشر روايته اللاز التي لم تمجد الثورة ولم تتحدث عن العدو الخارجي ولكتها تحدثت عن الصراعات الداخلية وصراع الإخوة. التاريخ أعطى الطاهر وطار كل الحق. أو روايات هدى بركات التي لم تشتغل على الثنائيات المرضية. لم تجعل الجيدين من جهة والسيئين من جهة ثانية اعتمادا على عقلية يقينية لا يبررها الواقع الموضوعي المعقد. هدى بركات حملت في رواياتها الكل مسؤولية ما حدث في لبنان.
رواية مثل أين تركت روحي؟ للفرنسي جيروم فيراري ناهضت التعذيب الذي يمارس في الحروب. الرواية في النهاية هي انتصار للإنسان والحق أدبيا، وهذا هو خيارها الأهم إن لم يكن الأوحد.
الحرب والكتابة
واسيني الأعرج2 دقائق للقراءة

حجم الخط
