لو أردنا اختصار ما يجري في العالم بشكل عام، والعربي بشكل خاص لقلنا بأنه (لا جديد)، كل ما يحدث الآن هو إعادة باهتة لسيناريو تم حفظه بكتب التاريخ، وفي كل مرّة يتم استدعاؤه وإعادة (صياعته) – لا يوجد خطأ في كتابة الكلمة – بشكل أكثر سطحية وسذاجة.
المُفترض في إعادة أي عمل فني (الحرب أصبحت جزءا من الفن) أن يتم تلافي أخطاء الماضي، لكن ما يجري الآن هو (إعادة) بالمعنى الحرفي، نفس اللاعبين والرؤية الإخراجية والخط الفني، مع تغيير طفيف بالإضاءة والماكياج فقط، ففي أمريكا مثلاً تحدث نفس الحبكة الدرامية، ونفس القصّة الهزيلة، إذ يسير العمل (الفني) برتابةٍ قاتلة، ورهان المخرج ليس على العمل بل على الجمهور المتمثل في الشرق الأوسط كي يصنع ومضة فنية مدهشة بالعمل، لكن الجمهور من جهته يتابع بخوف وتوجس وتركيز عال بالسيناريو، ليس لجودته وقدرته على اختطاف لب المشاهد، بل لأن المشاهد لا يستبعد المفاجأة من (هوليوود)، إذ إن فكرة مجنونة قد تحدث بأي لحظة، كأن يصرخ المخرج (stop) ويخرج على المسرح ويوجه بندقيته (الحقيقية) إلى الجمهور ويقتلهم جمعياً ثم يأمر بإكمال العرض، وبعد نهاية العرض يبدأ التفكير في طريقة العرض المقبل بنفس الرتابة وبتغيير طفيف، كأن يكون من يطلق النار هو أحد (الكومبارس) وليس المُخرج، ولا شيء سيتغير كثيراً ما دام الجمهور سيحضر على أية حال، كل هذا يجعل بطل الفيلم غير مهم، ففي العرض الأول كان الفتى الأشقر المغرم بالحرب والضربات الاستباقية، وفي العرض الثاني كان البطل ذو بشرة سمراء ومتردد في اتخاذ أي قرار أكثر مما ينبغي، ورغم هذه التغيير الهائل في أبطال العمل، إلا أن السيناريو لم يتغير، ففي كلا العرضين يسقط الجمهور صريعاً قبل أن يرى نهاية العرض، فقدر الجمهور أنه صاحب الدور الأسوأ في العرض، فذروة العمل هي توجيه آلة القتل إليه، يحبس أنفاسه في ذروة العمل، ينطلق الرصاص عشوائياً، ثم يغمض عينيه إلى الأبد، بعد ذلك يتحدث النقّاد مع بعضهم عن العمل الذي قرؤوا عنه، منظّر ثقافي عريق مُعجب بطريقة القتل الإنسانية، فقتل الإنسان وهو بحالة انشداه مليئة بالدهشة والمفاجأة هي طريقة رائعة وخيرٌ ألف مرة من قتل الإنسان بالتعذيب في سجون الدول الديكتاتورية، فالديموقراطية – والكلام للمنظّر الكبير – ليس أن (تختار) من يقتلك، ولا أن تختار طريقة قتلك وأداته، بل أن تختار من يمتلك العبقرية ليقتلك بطريقة رحيمة وأنت غير مهيأ لذلك، فكم هو رحيم القتل بدون تعذيب وبدون توقع!
كمشاهد (عالمثالثي) وصاحب ذائقة فنية متوجسة وقلقة ومتوترة فإن سقف أحلامي لم يتطاول – وحاشاه ذلك – ويحلم بأن يتوقف هذا العرض أو على الأقل ألا يتكرر، لكني تمنيت (سراً) ألا يتركز (العرض في دورنا) فقط، أو على الأقل يتوقف العرض في المنتصف أي بعد إطلاق النار على الجمهور واستشهادهم، أقصد قتلهم، أقصد مصرعهم، (أوووه من جناية اللغة!)، على أن يتم استكمال العرض المقبل من بعد لحظة الإبادة، على الأقل لنعرف كيف هي نهاية الفيلم!
السؤال الذي لا نريد أن نصل لإجابته كيلا (نُحرق) المفاجأة التي لم يعدنا بها أحد، والتي نعلم يقيناً أنها غير موجودة، لكننا نتوهمها كحيلة نفسية ساذجة، هو حول (تهافتنا) على حضور العرض في كل مرة، رغم علمنا أن ثمن التذكرة هو حياتنا؟!