لا أعرف حقيقة لماذا تحولنا لكل هذا التطرف في تفاعلاتنا الاجتماعية؟ لا أنا ولا غيري بمقدوره معرفة لماذا أصبحنا هكذا وقد كنا في حالة تسامح وتكافل وتعاطف وقبول للآخر، القريب والبعيد، ومن نعرف ومن لا نعرف! هل التنمية فعلت بنا تلك العزلة والتباعد وعدم التسامح واللاقبول للأفكار المختلفة والتحاور والأخذ والعطاء؟ وهل هي المؤسسات التي أنشأنا تربية وتعليما وإعلاما وفكرا وثقافة وأنشطة شبابية، بالإضافة إلى القصور الأسري في تنشئة الجيل؟ حقيقة لا أحد، كما قلت، بمقدوره الإجابة على هذه الأكوام من التساؤلات للأسف! مراكز بحوثنا وباحثو العلوم الاجتماعية وعلوم النفس والسلوك لم تلتفت لنمو ظاهرة الفصام التي ضربت بنية تفاعلنا المجتمعي في مقتل للدرجة التي لم نعد نتقبل الأفكار ولا المفهومات ولا ما لا نستوعب من قضايا ومواقف حديثة ولم نعرف عنها مسبقا! لماذا اليوم كشفت لنا وسائل التواصل الاجتماعي حالة النزق والكراهة ورفض الآخر للدرجة التي نضيع فيها مناقشة أفكار حقيقية ونتفرغ للتصنيفات وللخطاب المختلف عنا وتجد فقط أشكالا من السباب وربما الشتم والتفرغ للإساءات لسين وصاد ممن اختلفنا معهم للدرجة التي لا نصنف الآخرين فحسب وإنما نصنع جدرانا خرسانية من التطرف مع الآخر، وربما نمارس التحريج على المختلف وربما وصمه بما لا يمثل حقيقته، عدا أنه طرح فكرة أو موضوعا لا نتفق معه جملة وتفصيلا.
اليوم، للأسف، نفتقد علماء لا يكتبون ويؤلفون بحوثا للترقية وإنما تنبش في بطانة مجتمعنا لتنويرنا بالأسباب التي أوصلتنا لهذا الحد من التطرف وكراهة الآخر وعدم قبول الخطاب المختلف عما نؤمن به من قناعات وما نستزرع في رؤوسنا من مواقف واتجاهات.. لن يكون بمقدورنا أن نقفز للنتائج ونقول بأن سببا مما ذكرت هو المسؤول عما نحن فيه من تعنت وامتناع عن الحوار فقط بسبب أفكار وأسماء مصنفة بأنها ليبرالية أو إسلامية أو متحررة أو ملتزمة، وهو وضع طبيعي مع تعليمنا وسفرنا وتعليمنا خارج الحدود، وربما المعتقدات العلمية والاختصاصية التي تلقيناها وأصبحت جزءا من تفكيرنا ومواقفنا واتجاهاتنا.. هذا الوضع أعتقد أنه موجود في معظم دولنا العربية والإسلامية وليس فقط في مجتمعنا طبعا بنسبة وتناسب.. التطرف يفرق ويفتت الوحدة الوطنية في نهاية المطاف ويزرع الفرقة والعداءات، ولا يخدم نمو وحراك المجتمع بأي حال من الأحوال.. علينا أن ندرس ونبحث وننور مسؤولينا وأسرنا وإعلامنا بطبيعة ما يحدث لنا، وإلا سنحرث في بحر بكل أسف.. ولله الأمر من قبل ومن بعد.