في ظهيرة يوم الثلاثاء الماضي، أكرم الله زياد أبوعين، وزير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، في السلطة الفلسطينية، بمرتبة رفيعة، لأن الموت غيلة، الذي أدركه، أعقبه تشييع شارك فيه نحو ثلث سكان الضفة الفلسطينية، وتداعت له بالتظاهر جماهير غفيرة في غزة. وكان لحدث القتل، أصداء دولية، علماً بأن القتلة لم يتوقفوا عن القتل يوماً، ومعظم ضحاياهم كانوا من أحباب الله الأبرياء، الذين لا يفعلون شيئاً سوى التمسك بأرضهم والتطلع إلى حريتهم!
رسائل عدة، طيّرها الحدث الاستثنائي، في اتجاهات عدة. فلهؤلاء، من أهل الغلو والتخوين الجزافي للناس بالجملة، في الداخل الفلسطيني وفي الداخل العربي، قالت لهم أنفاس زياد الأخيرة: “رويدكم.. إننا باقون هنا في الخندق الأول من جبهة الصراع بين البشر الوحوش”. وللمحتلين الصهاينة، قالت الزفرات الأخيرة “إننا متشبثون بحقنا وبأرضنا فإن عز السلاح وتفوقت ترسانتكم، سنقاومكم بشجرة الزيتون وبإيمان المؤمن وبأناشيد الأطفال، ولا مستقبل لكم”. وكانت خفقة القلب الأخيرة، تطرح سؤالاً على الأمريكيين: “يا من جعلتم مقاومتنا المشروعة المسلحة، للغزو المسلح وللاحتلال المدجج، إرهاباً؛ ها نحن نُقتل يومياً، في مقاومتنا اللا عنفية بغرس الأشجار. نحن الأعزلون من السلاح الناري، وهم المدججون به، فمن هم الإرهابيون القتلة؟”.
ولعل الأنفاس الأخيرة، تكون أبرقت لمدمني الخصومة، والحزبية المغلقة، والباطنية الرديئة، والرقاعة السياسية في نشدان تسوية موهومة، ولمدمني الحروب الخاسرة: “يا من فرقتكم أوهام السلم وأوهام “فرقانات” النصر، إننا جميعاً مستهدفون من عدو لا يريدنا أن نسالم أو أن نقاتل، فتعالوا نصنع وحدتنا، لنؤدي معاً، أقصى ما يُتاح لنا من واجب، يبدأ من سعينا الصادق لأن نربح أنفسنا، ونعيد بناء واقع أوقع فيه المحتلون الكوارث، في السياسة والمقاومة والعمران، لكي نكون قادرين على أن نستمر عقبة كأداء في وجه المشروع الصهيوني!
كانت الولايات المتحدة، هي أول من أحس بضيق النَفَس من اختناق زياد بالغاز الذي أطلقه جنود الاحتلال وأعقبته ضربات بالخوذة العسكرية وبالأرجل. فهي تطارد إرهاباً تراه عدواً وهو بالفعل عدو لها ولغيرها، وتتغاضى عن إرهاب تراه صديقاً وهو بالفعل حبيب لها وليس لأحد غيرها. لقد أحست بالحرج، وسارعت إلى استدعاء رئيس حكومة العنصريين، لكي يلقى الوزير كيري في إيطاليا. لا بد أن يكون الثاني قد أحس بالرغبة في مخاطبة الأول، ليقول: ما الذي تفعلونه بنا وبأنفسكم؟ إن كل ما فعلناه في هذه المنطقة، كان من أجلكم أنتم قبل أي طرف آخر. وكلما كنا بصدد عمل أو سياق، كنتم تتولون تعريتنا أخلاقياً بممارسات تناقض كل ما توافقت عليه البشرية من قوانين، وتقتلون بلا وازع من ضمير، بينما أنتم ترون بأم العين، أن ما تفعلونه لا يجلب لكم سلاماً ولا أمناً”!
نقول ربما إن كيري أحس بالرغبة في مثل هذا الحديث، لأن الرجل أطل على خبايا ونوايا نتنياهو وحكومته، وحدث جفاء سياسي، لم يؤثر على الحميمية الأمنية والعسكرية والاقتصادية، فتمادت إسرائيل في غطرستها!
لأن زياد أبوعين، كان عنواناً لموقف فلسطيني، تجسّد في هيئة وإدارة لعملية استيطان زاحف، ظلامي وعنصري ووقح، وجدار بغيض أبكى بابا روما عندما رآه وشاهد تداعياته على أناس أبرياء؛ فقد كان استشهاده، مرئياً مسموعاً في أربع رياح الأرض!
أنعم الله على زياد أبوعين بالشهادة. كانت هذه آخر النِعم. أولها، عندما دوى كالطبل المزعج، نبأ تسليم واشنطن لزياد إلى إسرائيل لكي تزج به في السجن، على الرغم من كل النداءات الدولية لثنيها عن ذلك حتى ولو أبقته في سجونها. عاش زياد في السجن الأمريكي وفي السجن الإسرائيلي، ولما استرد حريته، حمل شتلة الزيتون لكي يغرسها لعلها تقاوم لصاً. قتله المحتلون وكان الموت الحق، الذي استحث السياسة!
موت يستحث السياسة
عدلي صادق3 دقائق للقراءة

حجم الخط
