في عام 2003 صدر كتاب مهم بعنوان “ذهنية الإرهاب..لماذا يقاتلون بموتهم” يتضمن شهادات كوكبة من الفلاسفة والنقاد الغربيين أمثال الفرنسي جان بودريار، وأمبرتو إيكو، وجاك دريدا، وإذ فوليامي، وجان لوكاريه، وغيرهم، حول ما يتم تعريفه باعتباره “إرهابا”.
مفاهيم الإرهاب
خلص المشاركون في هذا الكتاب إلى أمرين: الأول، هو أن “شبح الإرهاب” بعد 11 سبتمبر 2001 أرغم الغرب على إرهاب نفسه، وكل استراتيجيات الأمن ليست سوى استكمال للإرهاب، فقد نجح الإرهاب بالفعل في إغراق الغرب في الهاجس الأمني، أي في شكل مقنع من أشكال الإرهاب المستمر.
الأمر الثاني هو أن العالم مع ظهور تنظيم القاعدة خرج من قواعد اللعبة الدولية المتعارف عليها منذ معاهدة ويستفاليا عام 1648، نتيجة لظهور جيل جديد من الإرهابيين في الشرق الأوسط، ما يؤكد تغيير مفهوم الحرب الذي درجنا عليه، فقد تمزقت الحدود المفهومية بين مصطلحي الإرهاب والحرب، حيث تتماهى الأجساد والعربات المفخخة والأحزمة الناسفة وقنابل الملابس الداخلية.
لكن يبدو أن ظهور داعش عام 2014 أعاد النظر في العديد من المفاهيم التي درج عليها الغرب قبل 11 عاما، حيث أصبح الإرهاب كفكرة عابرا للحدود والقوميات، لا سيما أن عدداً كبيراً من مواطني البلدان الغربية انضموا لصفوف داعش، وتحولوا إلى مفجرين انتحاريين ومن قاطعي رؤوس الرهائن.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: لماذا يترك المئات من المسلمين، وأكثرهم متعلمون ينتمون للطبقة المتوسطة وليس الفقراء، الديمقراطيات الغربية لكي ينضموا لحركة همجية وحشية؟ وما الذي يجعل الشباب عُرضة للتطرف والعنف؟
الفرار من الحرية
طرحت رئيسة تحرير صحيفة “نيويورك تايمز” سابقا إيفا هوفمان، هذه الأسئلة وغيرها في مقال يحمل عنوانا صادما “الفرار من الحرية”.
تقول “بينما كان يراقب سيجموند فرويد صعود النازيين في ثلاثينات القرن العشرين، وَصَف الجاذبية الخطيرة للزعماء المستبدين وتفخيم الذات الذي يجربه أتباعهم عندما يُسلِمون شخوصهم لايديولوجية ما أو جماعة.
وفي نظر أولئك الأعوان تمثل الحرية شرطاً مرهقاً من الناحية النفسية.
وعلى حد زعم إريك فروم، وهو أحد تلامذة فرويد، فإن الرغبة الملحة في الهروب من أعباء الاختيار الحر قد تصبح قهرية بشكل خاص لأولئك الذين لم يتطور شعورهم بالهوية المستقلة القوية أو قدرتهم على التفكير لأنفسهم بشكل كامل”.
تحذير كانط
ولا تتضح فكرة هوفمان، وما قاله فرويد وفروم دون الرجوع إلى أصل فكرة الحرية بالمعنى الحديث، كما صاغها فيلسوف التنوير الأشهر إيمانويل كانط في القرن الثامن عشر، ذلك أن ما يجعل الناس تتصرف ككائنات حرة ليس تمتعهم بالحرية إنما العكس تماما، بسبب وجود نوع خاص من الجبرية والقانون الداخلي.
فقد حذرنا كانط مبكرا من إساءة فهم أساسية محتملة بالنسبة للحرية، وهي أن الحرية الأخلاقية ليست حقيقة لكنها مسلّمة، إنها ليست موهبة أُنعم بها على البشر، لكنها واجب، وهو أصعب واجب يستطيع أي إنسان أن يقوم به، فهو ليس من المعطيات إنما هو مطلب وأمر أخلاقي جازم، وتزداد بوجه خاص صعوبة تحقيق هذا المطلب في أوقات الأزمات الحقيقية، ففي هذه الأوقات يتجه الفرد لعدم الوثوق في قدراته.
باختصار، إن الحرية ليست ملكة موروثة عند الإنسان، وإذا أردنا التمتع بها فعلينا أن نوجدها، ولو ترك الإنسان ليتّبع غرائزه الطبيعية، فإنه لن يكافح من أجل الحرية، بل لعله يختار حينئذ التبعية.
فالاعتماد على الآخرين في التفكير والحكم والتصميم أهون من الاعتماد على النفس، وهذا يفسر لماذا كثيراً ما ينظر للحرية في حياة الأفراد والحياة السياسية على أنها عبء أكثر منها امتيازاً، بل إن الإنسان يحاول أن يتخفف من هذا العبء في الظروف البالغة الشدة.
خطأ الإسلاموفوبيا
هذا بالتحديد هو لب مقال هوفمان، الذي يفتح الباب أمام الباحثين لدراسة الظواهر الاجتماعية الجديدة في داخل الغرب التي نشأت مع العولمة من منظور فلسفي ـ ثقافي، بدلا من الهروب إلى الأمام والتركيز على الإسلاموفوبيا، التي أكلت عقدا كاملا من الكتابات في الغرب وأدت لنتائج عكسية كارثية، والمزيد من الكراهية بين الإسلام والغرب! وتستكمل هوفمان اليوم البعد الناقص في رؤية مستشار الأمن القومي وزير خارجية الولايات المتحدة الأشهر في مرحلة الحرب الباردة، هنري كيسنجر، بالبحث عن التحولات الداخلية للشخصية الغربية (اجتماعيا ونفسيا وعقليا) بفعل ضغوطات العولمة.
تآكل مفهوم الدولة
كتب كيسنجر عقب أحداث سبتمبر 2001، مقالين متتاليين في مجلة الشؤون الخارجية الأمريكية، نعى فيهما موت معاهدة ويست فاليا عام 1648، التي حددت قواعد اللعبة الدولية بعد حرب الثلاثين عاما في أوروبا، مؤكدا أن العالم دخل مرحلة جديدة بظهور التنظيمات المستقلة عن الدولة والقادرة على تهديد الأمن المحلي والعالمي، ما يعني تآكل مفهوم الدولة بالمعنى التقليدي، ونهاية التصور القديم لمفهوم السيادة الوطنية.
وحسب كيسنجر فإنه ينبغي ابتكار تصورات جديدة ونظريات حديثة تتواكب والمرحلة الانتقالية التي يمر بها العالم من القديم إلى الجديد.
فقد لاحظ أن التغير الأساسي الذي شهده العالم، اتجاه الفرد نحو العولمة والعالمية، في الوقت نفسه وبالتزامن مع الاتجاه الشديد نحو تحديد الهوية والشخصية، ربما بطريقة متطرفة، وكأن العالم أصبح مقسما إلى مجموعات ثقافية وإثنية متعددة.
وتخضع هذه المجموعات لضغوط العولمة، كما تخضع لمؤثرات التشتت والانقسام، ونتيجة لذلك وقعت الدولة في فخ مزدوج بين الهوية (العرقية والإثنية) التي تضغط بشدة على كيان الدولة القومية، وبين متطلبات العولمة التي تنخر في جدرانها، ما يعني أننا انتقلنا في القرن الحادي والعشرين من الجغرافيا السياسية إلى الجغرافيا الثقافية.
جديد هوفمان
تؤكد هوفمان أن الديمقراطيات الغربية المعاصرة تعرضت في العقود القليلة الأخيرة لأزمة هوية واضحة تجلت في العزوف عن الإعراب عن مبادئ أخلاقية منَظِّمة أو إبراز القيم الديمقراطية على الساحة الدولية.
1 - شهد المستوى الداخلي في الغرب فك الارتباط على نطاق واسع عن النظام السياسي والشعور المتنامي بالسخط بين بعض المواطنين، وخاصة الشباب.
وهناك فيما يبدو أيضاً زيادة واسعة النطاق في أشكال الخلل النفسي، أدى إلى زيادة هائلة في استهلاك العقاقير ذات المفعول النفسي.
2 - هذه الأعراض والمتلازمات لا يمكن فهمها من ناحية اقتصادية بحتة، خاصة وأنها تنتشر بين أبناء الطبقة المتوسطة بقدر ما تنتشر بين الفقراء.
ولكن الأمر الممكن هو أن الروح الغربية التي تتسم بالحرية غير المقيدة والتسامح المفرط تفشل في تزويد بعض الناس بالروافع النفسية اللازمة لبناء الهوية القادرة على التعامل مع المطالب والضغوط التي يفرضها الاختيار الفردي المستمر.
3 - في مجتمعات اليوم المفتوحة والمتعددة الثقافات، تظل الحاجة إلى الاختيار قائمة دوما، سواء كانت القضية عادية أو قضية أساسية.
ولكن مع غياب التقاليد الثقافية المشتركة التي نستند إليها في اتخاذ القرارات المتعلقة بالكيفية التي قد تمكن المرء من تحقيق رفاهيته أو توجيه حياته، فكيف للمرء أن يميز بين الاختيارات الطيبة والرديئة؟ وما الذي قد يُعَد صواباً أو خطأً، جاداً أو زائفا؟
4 - يمثل الغربيون الذين يختارون تبني ايديولوجية داعش جانباً متطرفاً من ظاهرة أوسع كثيرا، ذلك أن عقيدة تنظيم داعش التي تتسم بالجمود الشديد تُعفي أتباعها من العبء المربك المتمثل في التفكير المستقل أو الاختيار.
ويظل منظور فروم يمثل أهمية واضحة هنا، ذلك أن الهروب لأحضان حركة خبيثة مثل داعش يُعَد أيضاً فراراً من الحرية من قِبَل الساخطين عليها.
5 - إن بعض تصريحات الجهاديين تجعل هذا الارتباط واضحا “فعلاج الاكتئاب هو الجهاد”، كما يعلن أحد المجندين الغربيين في مقطع فيديو نشره تنظيم داعش، والذي يضيف قائلا: “استشعروا الشرف الذي نشعر به، والسعادة التي نشعر بها”.
ويقول آخر ببساطة: “لا للديمقراطية”.
إن الضجر بالديمقراطية يخلق الظروف الملائمة لنمو التطرف، وتدرك الحركات الإسلامية المتطرفة تمام الإدراك كيف تستغل هذه الظروف.
6 - إن تلقين الايديولوجية الإسلامية المتطرفة لا بد أن يواجَه بغرس ثقافة الديمقراطية وقيمها الأساسية بشكل أكثر قوة، والتأكيد بشكل أعظم على هذه القيم في خطابنا السياسي.
ومن خلال الثقة المتزايدة والاقتناع، وليس التسامح أو بالأحرى التساهل، يصبح بوسع المجتمعات الديمقراطية أن تتصدى لجاذبية القضايا المتعصبة وقادتها الذين يتمتعون بشخصية كاريزمية.

