هناك في الحياة ما هو أكثر من السفر آلاف الأميال للدفاع عن قضية خاسرة لن تسفر إلا عن الدمار وخسارة أرواح بريئة. على مدى الشهور القليلة الماضية، كان هناك الكثير من التقارير الصحفية حول مقاتلين أجانب قرروا التوبة ومغادرة صفوف تنظيم داعش المتطرف والعودة إلى بلدانهم، الشهادات التي تم جمعها من هؤلاء المقاتلين السابقين مثيرة للاهتمام، فهم يقولون إنهم سرعان ما اكتشفوا الوهم الذي كانوا يعيشون فيه بعد ما رأوه من ممارسات التنظيم، حتى إن بعضهم لم يسمح لهم بالمشاركة في أي معركة وطلب منهم فقط تنظيف الحمامات وإعداد الطعام للمقاتلين.
المثير للاهتمام أيضا الأسباب التي ذكرها هؤلاء والتي جعلتهم ينضمون إلى داعش، كثيرون من الذين جاؤوا من أوروبا تحدثوا عن الحاجة إلى حياة هادفة، الحاجة إلى معنى وقيمة في الحياة، الحاجة إلى الاحترام والتميز، والتي قالوا إنهم كانوا يفتقرون إليها. ولكن ردا على مشكلة هؤلاء الشباب والشابات، يمكن للمرء أن يقدم إجابتين حاسمتين، أولا: لا يهرب المرء من الروتين والفراغ في الحياة العصرية من خلال الانضمام إلى حياة من العنف والتطرف، وبالتأكيد ليس من خلال استخدام الدين كذريعة لمثل هذا الهروب. وفي هذه الفترة التي يتزايد فيها التمييز ضد المسلمين والعرب، ألم يساعد هؤلاء المقاتلون على ترسيخ الصورة النمطية للمسلمين كإرهابيين وقتلة؟ لم يكن ذلك انتصارا بأي شكل من الأشكال. ولو كان هؤلاء المقاتلون يتخذون الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته قدوة لهم في هذه الحياة لعرفوا حقيقة أن الرسول عليه الصلاة والسلام عاش معظم حياته وهو يناقش ويحاور ويبني الجسور بين المجتمعات المختلفة.
ثانيا: جميعنا نحتاج إلى أن نفهم ونعيد تقييم مفهومنا للنجاح، الشجاعة، والهدف من الحياة، هذه الأيام كثيرون من هؤلاء الرجال هجروا عائلاتهم وأصدقاءهم، وتخلوا عن المسؤوليات التي تترافق مع هذه الارتباطات، للانضمام إلى قضية أجنبية غريبة عن احتياجاتهم الفورية وظروفهم، هذا يشمل رجالا تخلوا عن نسائهم وأطفالهم وتركوهم يدبرون أمور معاشهم ويتحملون النتائج دون مساعدة من أحد، لكن الاختبار الحقيقي للرجولة هو تحمل المسؤولية والقيام بها على أكمل وجه، والقدرة على مقاومة العنف وتحمل الأعباء بكرامة، والحصول على الاحترام الحقيقي كرجل حقيقي.
إن الرجال الذين يتخلون عن عائلاتهم وأطفالهم للسفر والقتال من أجل قضية خاسرة في حرب رومانسية واهمة على بعد آلاف الأميال لا يستحقون أي احترام لأن واجباتهم الحقيقية هي في بلدانهم ومع عائلاتهم، بدلا من أداء دور «رامبو» وارتكاب الجرائم في بلدان أجنبية، على الرجل الحقيقي أن يبقى في وطنه ويربي أطفاله بما يرضي الله حتى يبلغوا أشدهم ويصبحوا مواطنين صالحين، تلك هي الرجولة والبطولة الحقيقية.