قرارٌ حكيم من سمو أمير منطقة مكة قبل أيام بإيقاف تكريم سعادة أمين أمانة محافظة الطائف، التكريم الذي استفزّ الأهالي حينما انتحل رجال أعمال ومنتفعون وعضو مجلس بلدي (انحاز للمسؤول واتهم أهالي الطائف باللافهم) مسمى الأهالي ووزعوا الدعوات باسمهم غطاء وشرعنة لتمرير تكريمهم المشبوه، لكن هيهات أن تنطلي حيلتهم في زمن الوعي المتنامي في فكر أبناء الوطن، ومواكبة القيادة له، على عكس الداعين الذين ربما اعتادوا تمرير مطالبهم بأساليب ربداء لا توحي إلا بمضامين تزُكم الأنوف الشريفة.
ليس مبررا أن يُكرم الأمين على لقب (عاصمة المصايف العربية)؛ لأن عدة جهات تضافرت جهودها حتى مُنحت الطائف اللقب، من جهة أخرى ربما يستساغ؛ لحصول أمانة الطائف على شهادة التميز البلدي الشرق أوسطية في دبي، لكن الطريقة التي قام عليها التكريم مستفزة، ومشبوهة عندما تتبناه شخصيات لها علاقة عمل واستثمارات مع الأمانة، كذلك توقيته بُعيد غرق بعض شوارع الطائف في المطر الأخير، وفي فترة يعاني فيها أبناء المحافظة من اختناقات جمة وتعثر في بعض المشاريع، وأخرى لم تنجزها الأمانة بعد، ومحرقة تنفث سمومها صباح مساء في صدور المجاورين لها ومن تمر بهم سحابتها القاتلة، ثم لماذا لم يُكرّم الأمين في احتفاء محافظ وأهالي الطائف بلقب (عاصمة المصايف) الصيف الماضي؟
وظيفة الأمين حساسة، وأستغرب كيف فاتت هذه النقطة على سعادة الأمين المشهور بالذكاء، فقبِل التكريم من شخصيات تربطهم بمنصبه علاقة نفعية بشكل أو بآخر، فحسب تصريح مصدر من هيئة مكافحة الفساد (نزاهة) لصحيفة عكاظ حول هذا الأمر تحديدا، قال «إن تكريم الموظفين على رأس العمل وإسداء الدروع والهدايا إليهم يعد مخالفة لأنظمة وتعليمات الهيئة»، وهذا يزيد علامات الدهشة!
من ضمن قائمة أسماء الداعمين للتكريم رجل أعمال شهير، يستثمر في الكثير من المشاريع البلدية، ومنها حديقة كانت مضرب المثل في الجمال وحسن التنظيم، فقادتني تلك الصورة الجميلة إلى التنزه فيها مع عائلتي مساء عيد الأضحى الفائت، فوجدتها والله «تكسر الخاطر» وقد أُهمل التشجير وجفت المسطحات الخضراء، وجُففت البحيرة من مياهها، بعدما كانت مصدر بهجة للعوائل المتحلقة على ضفافها أو في قلبها. وصار منظرها مشينا يدل على شدة الإهمال، وعدم احترام مقدرات الوطن التي أتاحها لأبنائه، أليست صيانتها أولى من تكريم المسؤولين؟
اكتفى رجل الأعمال بنصب ملاهي الأطفال الكهربائية في أعلى الحديقة، وترك ثلاثة أرباعها مواتا، والمؤسف أن البلدية لم تحرك ساكنا، فهل تتصور أن المراقبين لم يمروا بها؟ ثم إن الرجل عينه له استثمارات أخرى واشتهر باللامبالاة وتهميش أوامر البلدية والمحافظة بإزالة مخالفاته، منها إعاقة مجرى السيل في حي المنتزه، حتى تضرر الأهالي وغرقت سياراتهم ومنازلهم، فأي تكريم يُقبل منه؟!
بادرة رائعة من إمارة المنطقة تستحق الإشادة، وأملنا أن تستمر في التحقيق مع منتحلي مسمى الأهالي، الذين قدّموا مصالحهم الشخصية على مصلحة الوطن والمواطن، وبحث علاقتهم النفعية بالأمانة، والتأكد من وفائهم بالتزاماتهم وعقودهم على الوجه الأكمل، ومعاقبة المسيء والمقصر منهم، وأجزم أن هذا الدرس لن يمر مرور الكرام على أبناء الوطن جميعا، بل سيكون وقدة وعي مضيئة للوقوف في وجوه النفعيين، وأرباب المصالح الخاصة، المغلفة باسم الوطن والمواطنة.
ثم أما بعد، أهمسُ بمحبة في ضمير أخي المسؤول: فأنت مواطنٌ قبل أن تكون مسؤولا، كلنا ماضون والبقاء للوطن الذي يحوي ويحمي مقدراتنا ومستقبل أبنائنا، ولا أظنك بحاجة إلى تكريم وأضواء، فثقة خادم الحرمين الشريفين هي التكريم السامي الأجل الذي حصلت عليه، وكل ما دونها هباء تذروه سوافي الظن على اربداد الضمير. فتمثّل تكريمك بالثقة الملكية السامية أمام عينيك دائما، وأبدع فيما اؤتمنت عليه، وآنذاك أضمنُ لك الضوء والمجد حياً وتحت الثرى.