للمنظمات الناجحة معايير وخصائص تميزها عن غيرها من المنظمات الأخر، تضمن لها الاستمرار والنمو، هذه المعايير منها ما هو مرتبط بالخدمات التي تقدمها للعميل كسرعة الإنجاز، والاقتراب من العميل، والإدارة الذاتية، والإنتاج العالي، والمرونة والانضباط، وأخرى ترتبط بالمنظمة وديناميكيتها، وقدرتها على التجديد، وخلق جيل ثان من القيادات قادر على قيادتها عند رحيل الجيل الأول.
وبتطبيق معايير المنظمات الناجحة على الجهات والمؤسسات السعودية الحكومية وغير الحكومية، نجد أن هذه المعايير لا تنطبق إلا على عدد قليل جداً من هذه الشركات أو المنظمات السعودية الحكومية والخاصة منها، لذلك لا غرابة في ظهور أزمة قيادات في الجهات الحكومية في غضون تسع سنوات، وفقاً لما أشارت إليه وزارة الخدمة المدنية في مؤتمر القيادات الإدارية الحكومية في المملكة: الواقع والتطلعات، أن 80% من القياديين للمرتبة من 11 إلى 15 تجاوزت أعمارهم الـ51 عاما، ونسبة 25% منهم مؤهلاتهم دون الجامعية، تعد من المشكلات الإدارية الكبيرة التي تؤثر بشكل كبير على أداء المنظمة، وتقود إلى تعثر خططها ومشاريعها، لأن نجاح خطط التنمية يعتمد بشكل أساسي على قدرة المنظمات على إعداد جيل من القادة القادرين على تحقيق أهدافها، ووجود القيادات الشابة البديلة يضمن استمرارية نجاح برامج التنمية المعدة سلفاً في حال غياب أو رحيل القيادات لأي سبب كان، إضافة إلى أن ضخ قيادات جديدة ونشطة في شرايين العمل الحكومي يمكنه من استعادة حيويته وطاقته، وقدرته على تقديم الخدمات بجودة عالية.
وبالعودة إلى تقرير وزارة الخدمة المدنية حول أزمة القيادات في الجهات والمنظمات الحكومية الخاضعة لإشرافها، نجد أن وزارة الخدمة المدنية وأنظمتها المتهالكة شريك أساسي مع المنظمات والجهات الحكومية في نشوء هذه المشكلة، ومسؤوليتهم مشتركة لا يمكن تحميلها لطرف دون الآخر، ويمكن تلخيص أسبابها في عدة نقاط:
أولاً: غياب استراتيجية إعداد وتأهيل القيادات البديلة (أو ما يسمى الصف الثاني) في الجهات والمؤسسات الحكومية، والسبب في ذلك يعود إلى معوقات شخصية وإدارية أبرزها تجنب المديرين توفير صف ثان يكون بديلًا لهم في حالة الاستغناء عن خدماتهم، أو الاستعانة بهم لتطوير الأداء في المنظومة الإدارية، فضلًا عن تدخل المحسوبية والواسطة في اختيار مديرين يعتقدون أن العمل سيتوقف في حالة غيابهم، مما أسهم بشكل كبير في فتح باب طلبات التمديد لبعض المسؤولين عند بلوع سن التقاعد النظامي.
ثانياً: وجود معوقات إدارية تمنع تهيئة وتولي بعض الموظفين لمناصب الصف الثاني، لأن الهيكل الإداري لا يوجد فيه منصب مساعد أو نائب للمدير، حتى إن وجد لا يوجد نظاماً ما يلزم المديرين بتعيين نواب ومساعدين لهم، بل تظل شاغرة لفترات طويلة، في حين أن نجاح المدير أو القائد في المجتمع الغربي يقاس بقدرته على توفير بدلاء له في تسيير العمل، وعدم إرباك منظومة العمل في حال غيابه.
ومع تزايد أعداد خريجي برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي الباحثين عن عمل الذي سيصل عددهم وفقاً لرئيس ومؤسس مركز الرياض للتوظيف الدكتور طراد العمري إلى 25 ألفاً، منهم 5 آلاف سبق تخرجهم في الأعوام الماضية، و10 آلاف تخرجوا بنهاية 2013، و11 ألف سعودي من خريجي البرنامج قاموا بالتسجيل في المركز، فإن حل أزمة القيادات في الجهات الحكومية ليست بالمهمة المستحيلة، شريطة تجاوز العقبات البيروقراطية، لاستقطاب ذوي الكفاءات العالية إلى الوظائف الإدارية العليا في مستوى وكلاء الوزارات ومساعديهم في الوزارات والهيئات والمؤسسات، لا سيما أن بعض من هؤلاء حاز درجة الدكتوراه في تخصصات الإدارة والقيادة، ومؤهلون لتولي مناصب قيادية في المستقبل.
كما أن الاستفادة من التجارب العالمية المميزة في مجال إعداد القيادات الإدارية مثل مدرسة كنيدي للإدارة، ومعهد القيادات الفيدرالية، ونموذج جامعة جورج واشنطن في الولايات المتحدة الأمريكية، والمدرسة الوطنية للإدارة في فرنسا، والمدرسة الأسترالية للإدارة، أصبح أكثر ضرورة لإنقاذ مستقبل القيادات في الجهات الحكومية، حتى لو اضطر الأمر إلى ابتعاث قيادات جديدة للتدريب في هذه المؤسسات والمعاهد التدريبية، أو عقد دورات تدريبية في الداخل يتم استقطاب خبراء ومدربين من مدارس ومعاهد الإدارية عوضاً عن دورات المنظمة العربية للتنمية الإدارية التي لا تغني ولا تسمن من جوع.
منظماتنا.. وتأهيل القيادات البديلة
محمد العوفي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
