يعتبر النفاق من أخطر الأمور على أمة الإسلام، وقد جاء في القرآن العظيم التحذير منه في مناسبات وسور شتى، وغدا هذا المرض من أشد الأمراض فتكاً بجسد المجتمع الإسلامي، ولذلك احتل التحذير منه وبيان خطره الصدارة في كثير من المناسبات الشرعية في أول دولة الإسلام، ويكفي أن نعلم أن بداية سورة البقرة اشتملت على خمس آيات في صفات المؤمنين ثم آيتين في صفات الكفار الأصليين، ثم أعقبها الله باثنتي عشرة آية متواصلة في صفات المنافقين وخطرهم والتحذير منهم!!
والتعامل مع النفاق والمنافقين في عصورنا المتأخرة غدا مسألة معقدة التفاصيل، متعددة الاجتهادات، ذات تشعبات وأهواء شتى، وكل جنس من المختلفين اقتصر على بعض النصوص والوقائع دون بعض، فحصل اللبس وتباينت الأفهام حول التعامل معهم وزلت أقدام بعد ثبوتها.
وهؤلاء المنافقون الأعداء لم يجعلهم الله من جنس العدو فقط، بل وصفهم الله تعالى بقوله: (هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ) وهذا التعبير لا يعني حصر العداوة فيهم، لكنه يحمل مضموناً أعظم لأنهم العدو الأخطر والأشد الذي ينبغي التيقظ والتفطن بشأنه طوال الوقت، فكما أن الأمة ملزمة شرعاً بدفع العدو الخارجي، فينبغي لها أيضاً أن تتفطن وتكون على حذر دائم لمن يتكلم بلسانها ويشرب من مائها ويستنشق هواءها ويصلي في مساجدها فربما كان هو العدو الأنكى والأشد، وهو مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم (الحج عرفة) فالحج له مناسك غير عرفة إلا أن عرفة أهمها.
وإذا كان الله في القرآن يصف الكفار بأنهم كالأنعام بل هم أضل، فهو يصف المنافقين بأنهم شياطين حيث يقول: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ)، والوصف بكونهم شياطين فيه زيادة تنبيه وتحذير لكل مؤمن عاقل لبيان خطورتهم ومكرهم وعنادهم المستمر.
فالشيطان، معاند، مكابر، يعرف الحق ويتركه عمداً مع أنهم في عهد النبوة يشاهدون التنزيل والمعجزات، ويرون إكرام الله لأوليائه وكبت أعدائه، وهم بعد عصر النبوة يسمعون الذكر والمواعظ، ويحضرون مجالس الخير، ويعيشون بين ظهراني المؤمنين، ولكن لم ينفعهم ذلك.
وهؤلاء الشياطين هم أعداء الرسل إلى قيام الساعة، ومهمتهم التلبيس والخداع وتغيير الحقائق، وتزيين الشرور للناس، وتنفيرهم من الحق وأهله، كما قال تعالى في سورة الأنعام (112): (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ).
فمن أخطار المنافقين أنهم حين يقولون ويتحدثون بصوت مسموع يجدون آذاناً صاغية من المجتمع، فيستمع الناس لهم لحسن ألفاظهم التي تشبه العسل المقترن بسم قاتل، وقد وصف الله أسلوبهم الماكر في الكلام بقوله: (وإن يقولوا تسمع لقولهم) وقد فسر علماء التفسير هذه الآية بأن المرء يعجب من فصاحتهم وبيانهم، وأن الناس تنطلي عليهم تلك الصور البلاغية والتراكيب اللفظية حتى يقلبون الحق باطلاً والباطل حقاً، ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ثبت في الحديث الصحيح: (إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان).
وهم يقفون مع الناس في المساجد ولكنهم يضمرون للأمة الإسلامية أشد الحقد والكراهية، وتراهم أحياناً يتكلمون عن حقوق الضعفاء والمسلوبين في الأرض ليظهروا بمظهر الشخص المصلح والمنقذ، وربما تصدقوا وخرجوا للجهاد وأسهموا مع المسلمين في القضايا العامة.
وهكذا هم يستطيعون تمرير حِيَلهم وإقناع الناس بصدق ما هم عليه، مع أنهم في الباطن يبغضون المؤمنين ويوالون الكافرين، ويريدون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، ويقبضون أيديهم بخلاً عن خدمة الإسلام، ويتناجون بالإثم والعدوان، ويحيكون للمسلمين المكر السيئ، ويسعون في الأرض فساداً والله لا يحب المفسدين (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ ولكن لا يشعرون).