في أثناء دراستي الجامعية اتفق لي أن أرى الشيخ محمد الحبيب الخوجة مرارًا في اثنينية عبدالمقصود خوجة، وكان الشيخ حريصا على أن يغشى هذا المنتدى، وكان أصحابه والمنتدون حفيين به، واعتادت العين أن ترى الشيخ في زيه التونسي التقليدي، يحف به جمهرة من الأشياخ وطلبة العلم، حين كان أمينا عاما لمجمع الفقه الإسلامي مدة من الزمان.
لا أذكر أنني صافحت الشيخ ولا أنني اقتربت منه، ولكنني أذكر أنني كلما رأيته يخيل لي أنني أعرفه فوق معرفة المتصلين به من شيوخ الدين وطلبة العلم، وكنت أكبر في الشيخ شيئا لا صلة له بوظيفته الدينية الأممية الكبرى في جدة، ولا منصب الإفتاء الذي تولاه في بلاده من قبل، وكنت أبطن في نفسي إعجابا كبيرا بهذا الشيخ الفقيه المفتي، وأن للأدباء والأدب والنقد ودرسهما نصيبًا كبيرًا فيه، فتحت جُبته وشاشيته وعمامته كانت نظريات في النقد والبلاغة والفلسفة تطل، وخلف كلماته في الدين والفتوى والفقه كانت خصومات النقاد وتفريعات الفلاسفة والمتكلمة تستكين، وإلى علمه بنظرية الشعر والنقد كان نقاد الحداثة يلوذون، فاسم الشيخ يعرفه المتدينون والعلمانيون، والمحافظون والحداثيون، وفضله على كل أولئك كبير.
كان الشيخ محمد الحبيب الخوجة ناقدا أدبيا ودارسا عظيما لنظرية النقد والبلاغة في تراثنا، ويعرف له المشتغلون بنظرية النقد وفلسفته انقطاعه لتحقيق كتاب «منهاج البلغاء وسراج الأدباء» للفيلسوف والبلاغي والناقد حازم القرطاجني، وهو كتاب من أشق كتب تراثنا النقدي وأصعبها، وربما شكا قراؤه وعورة التهدي إليه، دع عنك أن يتصدى باحث لتحريره وتحقيقه ونشره وفهم مقاصده وتذليلها لعامة القراء.
الشيخ محمد الحبيب ابن الخوجة، أو سي الحبيب، كما يحب التوانسة، نموذج غير مألوف في ثقافتنا الحديثة، هذه الثقافة التي ظن أصحابها من المحافظين والمجددين أنهم يحسنون صنعا حين فصلوا ما بين علوم الدين وثقافة الإنسان، ولعلهم لم يعرفوا أنه لولا هذا الشيخ المفتي ما اهتدوا إلى مقاصد حازم القرطاجني ومن إليه من الفلاسفة والنقاد، وكأن سي الحبيب يدلنا على أصل أصيل في ثقافتنا، لا خصومة فيه بين الدين والدنيا.