تختلف ليالي الشتاء عن بقية ليالي فصول السنة. ينحو الإنسان إلى توازن يحفظ تدفئته الذاتية، وأخرى لا تخفت بسبب الترشيد في حطب التدفئة. فهذا الدفء المتدفق من اللامكان أخذت أحداث هائمة من خيوطه شكلا طيفيا يمتد فتسري في الأوصال، ويا لها من نعمة وجب احترامها والمحافظة عليها.
صوت أزيز الشتاء الموسمي القارس يكاد يُسمع، يمكن أن يكون هذا الأزيز سيمفونية بديعة، هادئة هي بمسحة الحرارة المتصاعدة من عناصر التدفئة مثل شراب الزنجبيل الطازج. ويمكن أن يكون مصدر قلق بالنسبة للمهتمين بالبيئة. ففي الجهة الأخرى للاحتفاء بفصل الشتاء، يتصاعد الحذر من أن يُحال الغطاء النباتي إلى عدم. وهذه الإحالة بطلها هو الإنسان الذي يسيء التعامل مع الطبيعة ويأخذ منها أكثر مما يعطيها من اهتمام. ويدخل في ذلك تغيرات المناخ التي يشكو منها العالم بأجمعه، مما يمثل خطرا على حياة الإنسان في الوقت الحاضر وبالنسبة للأجيال القادمة.
في كل موسم شتاء تتجدد المخاوف البيئية من جراء نشاط ظاهرة قطع الأشجار الجائر. ولأنّ وقود التدفئة يكثر استخدامه في مشبات المنازل، فضلا عن الرحلات البرية التي تتطلب كميات هائلة من الحطب لأغراض الطهو والتدفئة، فقد كان لا بدّ أن يصاحب هذا الموسم تكثيف خاص لبثّ الوعي البيئي للمحافظة عليها. حملت الجهات المعنية بالمملكة على عاتقها هذه المهمة فكثّفت اللوحات الإرشادية في المتنزهات والأودية. فلو تم الإسراف بالقطع الجائر للأشجار فلن يكون هناك ثمة حطب للتدفئة أو الوقود في مواسم مقبلة، وسيتصاعد سعرها مما سيمثل عبئا على الاقتصاد الوطني.
البعض يفضّل الخروج من ضيق المدن وقلوب البيوت الاسمنتية إلى سعة الطبيعة التي تؤالف بين الرمل والجبل والسهل المنبسط. ولكي تدوم النزهة في ليالٍ شديدة البرد لا بد من زيادة عنصر التدفئة ووقودها. وبسبب دعوات المحافظة على البيئة لا يُتوقع الحرمان من مغامرات الرحلات والاستمتاع بالطبيعة بكل ثيماتها التي لم تكن سوى إبداعٍ يحتمل التأويلات. ولكن يمكن أن تكون النزهة لمحبي الطبيعة عبارة عن موازنة عند ذاك الموقع الذي يجمع بين متناقضات هي كيف يجتمع إحساس النزهة المرتبط بالتحرر من أي ضوابط مع احترام البيئة.
في الواقع عندما يحين هذا الفصل يعمد الناس إلى الاستمتاع بطقسه واستدعاء الدفء الممزوج بالمرح مثلما يحدث في الرحلات البرية. وعندما يُذكر الشتاء تُذكر معه عددا من المناطق المفتوحة ولكنها تحتاج إلى الكثير من حطب التدفئة. وعندما يحين الليل ليسدل عباءة الظلام يسري في أوصال البراري الفسيحة لهيب النيران لأغراض شتى منها التدفئة والإنارة والطبخ. ولكيلا يُحرم المتنزه في البراري الشتوية من طبيعة كهذه، ولكيلا يفسد الاستمتاع بالشتاء بقطع الأشجار والاحتطاب الجائر، وتكون نتيجته كارثة بيئية وخيمة كان لا بد لوسائل الإعلام من تنشيط عمليات الإرشاد والتوجيه بأهمية الأشجار والحفاظ عليها والحد من الأضرار الكارثية الناتجة عن بعض التصرفات السالبة. فلو نظر الإنسان إلى الشجرة التي ينوي قطعها فإنّ من واجبه أن يتفكّر في أنّ قطعها لا يستغرق سوى ثوانٍ معدودات، ولكن نموها مرة أخرى قد يحتاج إلى عمر بأكمله.
كل هذا يحدث والناس تدري أنّ الاعتراف بحقيقة ناصعة مثل الضوء المنعكس من أشعة الشمس على جسم صقيل، لهو شيء يصعب احتماله غالبا، ولكن النظرة الغيرية إلى حقيقة كهذه وما يمكن أن تحدثه من تأثيرات مباشرة وغير مباشرة لا تترك خيارا إلّا بتفعيل بعض الموجهات للحدّ من هذه الظاهرة. ويمكن إزاء هذه الحال أن نتصور كيف هو حال الأسر المحرومة في أنحاء أخرى من العالم، أو بسبب الحرب، في سوريا مثلا، ومنهم الضحايا اللاجئون والنازحون الذين لا يجدون مأوى يضمهم أو ثمن رزمة حطب لتدفئهم وأطفالهم في العراء.
الخيارات عديدة والعاقل من يتأمل في الموازنة العقلانية بين المتعة الآنية باستنزاف البيئة، والإحساس بالمسؤولية بالمحافظة عليها.
احتطاب في أزيز الشتاء
منى عبدالفتاح3 دقائق للقراءة

حجم الخط
