لئن كان هؤلاء الطفيليّون جمّاً غفيراً في عصر الشيخ: «عبدالله دراز» المتوفّى في العام 1932 ما جعله هو وإخوانه من أهل التحقيق يتأذون من تناسلهم فإنّهم في عصر: «النت/ وفقهيات القص واللزق فضائياً» أكثر وبائيّة من الطاعون فشوّا في مجتمعٍ ما فتئ يثبت على كافة صُعده المعرفية -الشرعيّة - قابليّته لاستشراء أدواء التعالم على نحوٍ بات الهوى فيها العِمّة التي تتكوّر فوق (دميجة) كثيرين ممن يتصدّرون المشهد الفقهي ويتخذّون لهم من مجالس: «الفتيا» مكاناً علياً لجملةٍ من أسباب ليس الفقه ولا الورع من أولوياتها..!
وعلى كل حال فإن دراز - الأب - حين اشتغل على: «الموافقات» لأبي إسحاق الشاطبي نفض ما انهال عليه من غبار تراكم سنين طويلة ظلّ خلالها نسياً منسيّا.. فكتب عن: «الموافقات - يقول: (الذي لو اتخذ منارا للمسلمين بتقريره بين العلماء، وإذاعته بين الخاصة؛ لكان منه مذبة تطرد أولئك الأدعياء المتطفلين على موائد الشريعة المطهرة، يتبجحون بأنهم أهل للاجتهاد مع خلوهم من كل وسيلة، وتجردهم من الصفات التي تدنيهم من هذا الميدان؛ سوى مجرد الدعوى، وتمكن الهوى، وترك أمر الدين فوضى بلا رقيب.
فترى فريقا ممن يستحق وصف الأمية في الشريعة يأخذ ببعض جزئياتها يهدم به كلياتها، حتى يصير منها إلى ما ظهر له ببادئ الرأي من غير إحاطة بمقاصد الشارع لتكون ميزانا في يده لهذه الأدلة الجزئية، وفريق آخر يأخذ الأدلة الجزئية مأخذ الاستظهار على غرضه في النازلة العارضة؛ فيحكِّم الهوى على الأدلة حتى تكون الأدلة تبعا لغرضه، من غير إحاطة بمقاصد الشريعة ولا رجوع إليها رجوع الافتقار، ولا تسليم لما روي عن ثقات السلف في فهمها، ولا بصيرة في وسائل الاستنباط منها، وما ذلك إلا بسبب الأهواء المتمكنة من النفوس، الحاملة على ترك الاهتداء بالدليل، واطراح النصفة وعدم الاعتراف بالعجز، مضافا ذلك كله إلى الجهل بمقاصد الشريعة والغرور بتوهم بلوغ درجة الاجتهاد، وإنها لمخاطرة في اقتحام المهالك، أعاذنا الله).
إنّ في إعادة قراءةِ ما كتبه عبدالله دراز عبرة لمن أراد أن يتذكّر وأراد فقهاً للحالة التي نحن عليها إذ يتولّى بسط النوازل وتحقيق مناطاتها أدعياء قد ابتلينا بهم.!
الطّفيليون على موائد الشريعة
خالد السيف2 دقائق للقراءة

حجم الخط
