يستورد العرب نحو نصف حاجتهم من المواد الغذائية الرئيسة، وهذا يتطلب تعزيز الإنتاج الغذائي العربي بحزمة تدابير. لخص ذلك بالتقرير السنوي للمنتدى العربي للبيئة والتنمية »أفد« 2014 عن حالة الأمن الغذائي العربي.
وأوضح التقرير أن العجز الغذائي من خلال نسبة الاكتفاء الذاتي تبلغ نحو 46 % للحبوب، و37 % للسكر، و54 % للدهون والزيوت، أي إن العجز يصل إلى نحو نصف الحاجة من المواد الغذائية الأساسية.
توصيات التعزيز
وأشار أستاذ الموارد المائية بكلية الدراسات العليا بجامعة الخليج العربي الدكتور وليد زباري، في تعليقه على التقرير إلى أن المؤتمر العربي السنوي السابع للبيئة والتنمية، الذي عقد بالأردن نهاية نوفمبر الماضي، أوصى بتطبيق الخيارات المتوافرة لتعزيز الأمن الغذائي وتحسين مستويات الاكتفاء الذاتي، مشيرا إلى طلب المشاركين في المؤتمر تخصيص استثمارات إضافية للبحث العلمي الزراعي ولتطوير قطاعي الثروتين الحيوانية والسمكية بشكل مستدام، مع توجه إلى زيادة الإنتاج لتلبية الطلب المحلي وتعزيز إمكانات التصدير.
ولفت إلى أن لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا «الإسكوا» طلبت رأي مجموعة خبراء من العرب حول مسودة تقرير «الطريق نحو الأمن الغذائي في الوطن العربي» قبل إطلاقه رسميا في جلسة خاصة قبل انعقاد المؤتمر لمناقشة المسودة.
وأشار إلى أن التقرير وضع العديد من الحلول، وجاء في طليعتها تحسين الإنتاجية، وكفاءة الري والتعاون الإقليمي، موضحا أن الإنتاج الزراعي في البلدان العربية يواجه تحديات كبيرة، في مقدمها الجفاف، ومحدودية الأراضي الصالحة للزراعة، وندرة مصادر المياه، والنمو السكاني المتسارع، فضلا عن مضاعفات تغير المناخ.
إنتاجية الحبوب متدنية
إن إنتاجية الحبوب في المنطقة العربية متدنية إجمالا، خصوصا بالنسبة إلى الحبوب الرئيسة، إذ تبلغ نحو 1133 كجم للهكتار في خمسة من البلدان الرئيسة في إنتاج الحبوب (الجزائر والعراق والمغرب والسودان وسورية)، مقارنة بمتوسط عالمي يبلغ نحو 3619 كجم للهكتار. وتبين بحوث المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (إيكاردا) زيادات جديرة بالاعتبار في غلة القمح في حقول تجريبية، مقارنة بحقول المزارعين في كل من الأنظمة المروية والمطرية في بلدان مثل مصر والمغرب والسودان وسورية وتونس. فالزراعة في مساكب مرتفعة في مصر، مثلا، حققت زيادة بنسبة 30% في غلة الحبوب، وتوفيرا بنسبة 25% في مياه الري، وكفاءة في استخدام المياه بنسبة 72%.
وثمة أهمية حاسمة لتحسين إنتاجية المحاصيل في الأراضي المطرية التي تشكل أكثر من 75% من الأراضي المزروعة في المنطقة العربية.
وتشير «الفاو» و»إيكاردا» إلى أشكال مختلفة لجمع مياه المطر، تشمل الحفظ في الموقع الزراعي، والري بمياه السيول، والتخزين من أجل الري التكميلي. وبينت برامج في بعض البلدان النامية أن الغلال قابلة للزيادة بمعدل ضعفين أو ثلاثة أضعاف من خلال استخدام مياه المطر المجمعة، مقارنة بالزراعة الجافة التقليدية. ويمكن لزيادة متوسط غلة الحبوب المطرية من مستواها الحالي البالغ نحو 800 كجم للهكتار إلى ضعفين أو ثلاثة أضعاف، أن تضيف ما بين 15 و30 مليون طن من الحبوب إلى الإنتاج السنوي الحالي البالغ نحو 51 مليون طن في المنطقة العربية.
ولتعزيز غلة الحبوب في المناطق المروية والمطرية إمكانية جديرة بالاعتبار لتحسين الاكتفاء الذاتي الغذائي في المنطقة العربية، من خلال زيادة البحوث الزراعية، ونقل التكنولوجيا، والاستثمار في الزراعة المطرية. ويعد تطبيق أفضل الممارسات الزراعية حاسما، وهي تشمل الاستخدام الأمثل للأسمدة والمبيدات وغيرها من المدخلات، إلى جانب الإدارة الجيدة للموارد الزراعية المتوافرة. لكن تأثير تغير المناخ في المنطقة العربية يُتوقَع أن يظهر من خلال تراجع حاد في إنتاجية الحبوب، وتتطلب مواجهته تبنيا لتدابير فاعلة على صعيد التأقلم مع الظاهرة والتخفيف من تداعياتها.
تحسين كفاءة الري
يعد إنتاج مزيد من المحاصيل الزراعية بمياه أقل خيارا يحمل أهمية كبرى في تعزيز الأمن الغذائي للبلدان التي تعاني ندرة في المياه. وهو يعتمد على اختيار النوع الصحيح من القنوات لنقل المياه إلى الحقول، واعتماد وسائل أكثر فاعلية للري مثل الرش أو التنقيط، والزراعة في مساكب عريضة مرتفعة، ومستوى التنظيم والانضباط لدى المزارعين.
ويقل متوسط كفاءة الري في 19 بلدا عربيا عن 46 %. ويقدر أن رفع هذا الرقم إلى 70% كفيل بتوفير 50 مليار متر مكعب من المياه سنويا. وفيما يقدر أن الري المطلوب لكل طن من الحبوب يبلغ 1500 متر مكعب، يمكن للكمية الموفَرة من المياه أن تكفي لإنتاج أكثر من 30 مليون طن من الحبوب، أو 45% من واردات الحبوب بقيمة 11.25 مليار دولار وفق أسعار 2011.
تحسين إنتاجية المياه على الصعيد الاقتصادي والعملي
إضافة إلى زيادة كفاءة الري، يمكن رفع إنتاجية المياه على أي من الصعيدين الاقتصادي أو العملي، من خلال تخصيص المياه لمحاصيل أعلى قيمة أو إنتاج محاصيل أكثر في مقابل كمية المياه نفسها. ويعتمد انتقاء خيار من الاثنين على الأهمية التي تعلقها البلاد على قيمة المحاصيل أو كميتها في السياق السياسي والاقتصادي والاجتماعي والبيئي الأوسع.
ويمكن تعزيز إنتاجية المياه بمزيج من العوامل التي تشمل الممارسات الزراعية المحسنة، مثل أساليب الري الحديثة، والتصريف المحسن، والزراعة الحمائية أو الزراعة من دون حراثة، والبذور المحسنة المتوافرة، والاستخدام الأمثل للأسمدة، والتقنيات المبتكرة لحماية المحاصيل، وخدمات الإرشاد الفاعلة. ولا تقتصر فوائد ممارسات زراعية مثل جمع المياه، والري التكميلي والناقص، وحفظ المياه، والزراعة العضوية، على زيادة إنتاجية المياه فحسب، بل تكتسب أيضا أهمية كبيرة في تعزيز الاستدامة الزراعية. كذلك يمكن تعزيز إنتاجية المياه أكثر من خلال تغيير عادات الاستهلاك باتجاه محاصيل ذات استخدام أقل كثافة للمياه وذات قيمة غذائية مماثلة.
ضرورة تطوير الثروتين الحيوانية والسمكية
تملك البلدان العربية موارد جديرة بالاعتبار على صعيد الثروتين الحيوانية والسمكية. وهي شبه مكتفية ذاتيا على مستوى الأسماك، لكن نحو 25 % من الطلب على اللحوم يلبى عن طريق الواردات. ويتوقع أن تزيد هذه النسبة في المستقبل بسبب زيادات السكان والثروة والتحضر.
تواجه إنتاجية قطاع الثروة الحيوانية في المنطقة العربية عقبات بسبب ضآلة الموارد، خصوصا تدهور المراعي وعدم كفاية الأعلاف والمياه. وأثر غياب الدعم عن البنية التحتية والخدمات والسياسات العشوائية وآثارها السلبية على قطاع الثروة الحيوانية. وأدى إنتاج الأعلاف محليا إلى تدهور الموارد المائية غير المتجددة وتراجع المراعي وموارد الأعلاف، ما أدى إلى فقدان التنوع الحيوي وتدهور التربة وبالتالي إلى تراجع إنتاجية الثروة الحيوانية. وفي مواجهة الجفاف الشديد والمساحات الكبيرة للأراضي الهامشية، يبقى النظامان الرعوي والمطري لتربية الثروة الحيوانية الأكثر مرونة، لذلك ثمة حاجة إلى سياسات تدعم حركة هذين النظامين ووصولهما إلى المراعي. كذلك تقدم الأنظمة المتكاملة لإنتاج المحاصيل والثروة الحيوانية فرصا لزيادة الإنتاج الإجمالي والتنوع والاستدامة الاقتصادية للقطاعين معا.
وتوفر الثروات السمكية في البلدان العربية إمكانات كبيرة، ليس لتلبية الطلب المحلي فحسب بل كذلك للتصدير. وقد بلغت صادرات الأسماك 912,460 طنا بقيمة نحو ثلاثة مليارات دولار في 2013. لكن يمكن زيادة هذه الصادرات أكثر، ويتطلب إطلاق العنان لإمكانات قطاع الثروة السمكية معالجة المشاكل والاختناقات المختلفة التي تواجه تطويره. والأهم أن ثمة حاجة إلى الاستثمار في هذا القطاع، إلى جانب أمور أخرى تشمل تطبيق قوانين وتشريعات على الصيد وعلى نشاطات تربية الأسماك، وذلك لضمان استدامة القطاع ومساهمته في رفاهية البلاد. وتعد الحوكمة المشتركة لمخزونات الثروة السمكية في البلدان العربية حاسمة أيضا، فالحدود العابرة للبحار تتأثر بسلامة تجمعات مائية كاملة.
ولا تقل الأسماك كمصدر للبروتين الغذائي أهمية عن اللحوم. ويجب التشجيع على استهلاك الأسماك للحد من الاستهلاك المفرط للحوم لأسباب اقتصادية وصحية، وكذلك التفكير في تأثير إنتاج الثروة الحيوانية على الموارد المائية النادرة والبيئة. وثمة حاجة عموما إلى حملة توعية لتشجيع المستهلكين على تكييف عاداتهم على صعيد استهلاك الغذاء باتجاه أنماط صحية أكثر، تؤمن في الوقت عينه استدامة الموارد الزراعية.
خيارات أخرى بمفاهيم جديدة
رغم التحفظات على مفهوم المياه الافتراضية كإحدى الأدوات المعتمدة في السياسات لمعالجة التحديات المتعلقة برابطة المياه – الغذاء، فهو يبقى مفيدا في سياق الوضع المائي المحدد لبلد ما، والدور الإجمالي الذي تؤديه الزراعة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ويمكن لمفهوم المياه الافتراضية أن يكون أداة مهمة للتعاون في الأمن الغذائي بين المناطق وفق قربها الجغرافي والميزة النسبية في الموارد الزراعية. وهذا قد يعني مثلا توسيع التعاون بين البلدان العربية والأفريقية، حيث يمكن تعويض محدودية الأراضي وندرة المياه في البلدان العربية بالاستفادة من الميزات النسبية للبلدان الأفريقية على صعيد الموارد الطبيعية والزراعية.
استخدام مياه الصرف المعالجة زراعيا
لا تزال مياه الصرف غير مستغلة إلى حد كبير في الاستخدام الزراعي عبر البلدان العربية. فالكمية المعالجة سنويا من مياه الصرف البلدي تساوي نحو 48 % فقط من نحو 14,310 مليون متر مكعب سنويا، فيما الكمية الباقية ترمى من دون معالجة. ولا تتجاوز كمية مياه الصرف المعالجة المستخدمة في الري الزراعي 9 % من الإجمالي في بلدان مثل مصر والأردن والمغرب وتونس، فيما بلدان مجلس التعاون الخليجي تستخدم نحو 37 % من مياه الصرف المعالجة في الزراعة.
ويعود ارتفاع نسبة مياه الصرف المعالجة المستخدمة زراعيا في بلدان مجلس التعاون مقارنة بالبلدان العربية الأخرى إلى الندرة الحادة في موارد المياه العذبة، والضغط الهائل على هذه الموارد من خلال السحب للاستخدام الزراعي، إلى جانب تبني معايير محسنة للمعالجة من أجل ضمان الاستخدام الآمن للمياه المعالجة. لكن مع المستويات المختلفة للمعالجة المناسبة، يمكن إعادة استخدام مياه الصرف كمصدر لنشاطات متعددة، زراعية وصناعية ومنزلية، ما يخفف الضغط على موارد المياه العذبة والبيئة.
وإذ يعتمد إنتاج الغذاء في البلدان العربية بشدة على الزراعة المطرية وتتناقص موارد المياه العذبة بسرعة، يجب تشجيع البديل المتمثل بإعادة استخدام المياه للري. وتؤكد «الفاو» أن التحول من الزراعة المطرية إلى المروية لا يقتصر على زيادة غلال معظم المحاصيل بنسبة 100 إلى 400% فحسب، بل يمكن أيضا أن يسمح بزراعة محاصيل بديلة تحقق دخلا أعلى وتعطي قيمة أكبر.
التعاون الإقليمي بحاجة للتفعيل
يعد التعاون بين البلدان العربية على أساس الميزات النسبية في الموارد الزراعية والمالية خيارا أساسيا لتعزيز الأمن الغذائي على المستوى الإقليمي. وليكون التعاون فاعلا يتطلب مقاربة تستند إلى مواءمة الاستراتيجيات والسياسات الزراعية الوطنية، وزيادة الاستثمار في العلوم والتقنية والتنمية الزراعية، وتنظيمات وتدابير وحوافز تفضي إلى استخدام فاعل للموارد، وحفظا للقدرة الحيوية المنتجة للموارد البرية والمائية التي تشكل حجر الزاوية للإنتاج الزراعي على المستويات الوطنية والإقليمية الفرعية والإقليمية.
تقليص خسائر ما بعد الحصاد
تعزى الأسباب الرئيسة لهذه الخسائر إلى وسائل غير مناسبة مستخدمة في حصاد المحاصيل ومعالجتها ونقلها وتخزينها، إلى جانب خدمات لوجستية غير فاعلة على صعيد سلسلة إمدادات الواردات. ويقدر أن الخسائر السنوية للحبوب في البلدان العربية بلغت نحو 6.6 ملايين طن في 2012. كذلك تصل خسائر القمح المستورد في بعض البلدان العربية إلى نحو 3.3 ملايين طن بسبب خدمات لوجستية غير فاعلة على صعيد الاستيراد. وتبلغ القيمة الإجمالية لخسائر ما بعد الحصاد للحبوب وخسائر واردات القمح إلى نحو 3.7 مليارات دولار وفق أسعار 2011، ما يمثل 40% من القمح المنتج في البلدان العربية كلها في حساب القيمة. وهذا يساوي قيمة نحو أربعة أشهر من واردات القمح.
إن لتقليص الخسائر في الحبوب على امتداد سلسلة الإمداد الغذائي أهمية كبرى. فخسائر كهذه تمثل هدرا في الإمداد الغذائي وموارد طبيعية أخرى، تشمل الأرض والمياه والطاقة والأسمدة والمبيدات والعمالة. ويتفاقم الأمر بضرر بيئي يشمل انبعاثات مفرطة من غازات الدفيئة تصدر عن النشاطات الزراعية على امتداد السلسلة الغذائية.

