كانت أمنية حياتي أن أتخصص في التاريخ، خاصة التاريخ الإسلامي الذي ما زلت عند رأيي فيه بأنه يحتاج إلى إعادة قراءة وكتابة لامتلائه بعدد من الأخطاء التي دست فيه بقصد أو دون قصد.
وبعيدا عن الخلفاء الراشدين وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والقادة المشهورين في التاريخ الإسلامي، كان لي أبطالي المغمورون الذين لم يذكر عنهم التاريخ إلا القليل ولكنني بحثت وراءهم حتى جعلتهم أبطالي ونورا مضيئا على صفحات حياتي. كان أولهم عبد الرحمن الغافقي، واسمه أبو سعيد عبد الرحمن الغافقي العكي، قائد جيوش المسلمين في الأندلس وواليها لمرتين، وشهيد معركة بلاط الشهداء، آخر المعارك الكبرى في فتح الغرب الأوروبي، خاصة بلاد الغال» فرنسا».
وعبد الرحمن الغافقي رغم توليه ولاية الأندلس في مرتين قصيرتين لا تتعدى كل مرة سنة واحدة إلا أن المؤرخين شهدوا له بأنه الأعظم في تاريخ ولاة الأندلس لمهاراته الإدارية التي حافظت على وحدة البلاد وقضت على الفتنة بين العرب المضرية والعرب اليمنية، والعرب والبربر من ناحية أخرى. وكان الرجل من التابعين حتى إن الحميدي ذكره في كتابه جزيرة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس فقال «كان رجلا صالحا جميل السيرة في ولايته، عدل القسمة في الغنائم». وذكرت المصادر اللاتينية أنه كان قائدا عسكريا بارعا، فعندما انهزمت جيوش المسلمين في معركة تولوزو وقتل قائدهم وأظنه الوالي المسلم السمح بن مالك وتولى عبدالرحمن الغافقي القيادة أعاد تنظيم الجيش الإسلامي وانسحب به ببراعة شديدة، وبعدها بأقل من عامين كان يقود حملة بحرية كبيرة على جنوب أوروبا استطاع بها تفتيت التجمعات العسكرية الأوروبية هناك. وعندما تولى الولاية الثانية في عام 113هـ جمع واحدا من أقوى وأكبر الجيوش الإسلامية في ذلك الوقت واجتاح جنوب فرنسا حتى وصل إلى مشارف عاصمة بلاد الغال» فرنسا» آنذاك، وهناك واجه الجيوش الأوروبية مجتمعة بقيادة ملك الغال» فرنسا» شارل مارتن وابتدأت المعركة التي ما زال المؤرخون يعتبرونها من المعارك الفاصلة حتى الآن في تاريخ البشرية، لأن المسلمين لو انتصروا في تلك المعركة لتحولت أوروبا الغربية بأكملها إلى الإسلام. واستمرت المعركة سبعة أيام متتالية، كان النصر فيها حليف المسلمين في الأيام الخمسة الأولى حتى إن طلائع الفرسان المسلمين كادت تصل إلى خيام حريم الملوك الأفرنج.. وفي اليومين الأخيرين اكتشف الأفرنج أن عددا كبيرا من فرسان المسلمين من البربر وهم حديثو عهد بالإسلام، وكان لا يهمهم إلا الغنائم، وأن عقولهم وقلوبهم معلقة بها فهاجموا معسكر الغنائم فاضطرب الجيش الإسلامي، وحاول عبد الرحمن إعادة تنظيم الجيش إلا أن سهما طائشا أودى بحياته ليخر شهيدا، وتوفي الرجل في27 شعبان 114 هـ الموافق 21 أكتوبر 732م لينتهي الحلم الإسلامي بفتح أوروبا مع شهادة رجل لا يعرفه الناس كثيرا ويكفيه أن ربه يعرفه جيدا..