كومة من بقايا إنسانةٍ تجُلّلها العباءة.. قد اتخذت لها ركناً قصيّاً من عتبة المسجد.. ألقت عصاها بين يدي تسوّلها.. وبيدٍ بدت مقوسةً مدتها وهي تهتزّ إذ تسأل الناس إلحافاً.. كان المسجد يقبع في حيٍّ شعبيٍّ وسط بريدة.. جميع أهله قد غادروه.. فلم يكن بدٌّ إذ ذاك من أن تحتله: «العمالة السائبة» حيث غمروه بعشوائية تشهد بالتمييز لمؤسسات الدولة.. غاية ما في الأمر أنك تجد نفسك وأنت بينهم.. كمن اقتحم غابةً مكتظة بشراً بسحناتٍ ذات ملامح متباينةٍ.. ينتمون بمجموعاتهم المتناثرة لكتاب الجغرافيا بكلّ فصوله.. في حين تظل أنت يا ابن البلد وحدك غريب الوجه واليدين فتتأذى بالتالي من شغب عيونهم وهي ترقبك بنظرها الحاد..!
قوّست ظهري شبه منحنٍ.. سألت المرأة السبعينية: يا خالة.. أنت بأرض عمالة ولو كنت مضطرة للتسول كان الأولى بك أن تذهبي شمالاً حيث الموسرون من أهل البلد؟ وفي محاولةٍ من قبلي لطمأنتها بحسن نواياي وبشيءٍ من ضحكةٍ: على الأقل يكون سمننا بدقيقنا.. ذلك أنّ حقّاً في أموالهم هو من نصيبك المفروض من الله تعالى.
بصوتٍ خافت جاء ردّها حازماً: السلامة من دقيقكم غنيمة.. جربت (هاذولا) وأومأت بأصبعين باتجاه العمالة وهي تنفلت من صلاتهم.. ثم أردفت: جرّبتهم فوجدتهم أبرك وأيديهم رطبة.. ثم هم لا يُشهّرون بك ذلك أنّهم ليس يعنيهم من أكون.. ولا يمطرونك استفزازا بقائمة من أسئلة لا تنتهي!
هممت بأمر سوء وأوشكت أن أسألها: هل هي سعودية أم لا؟.. خِفت لسانها ولمحت بخائنة عيني طرف عصاها فأعدت السؤال بطريقةٍ مختلفة هي أكثر تهذيباً: يا خالة.. ما شاء الله تعرفين أمثالنا الشعبية..؟
كانت أحدّ ذكاء مما خِلتها عليه إذ استوعبت مكر سؤالي.. سعلتْ مرتين متتاليتين ثم لما أن تأكدت من مجرى حنجرتها وبأنه ليس مشغولا بشيءٍ من عوادم صدرها الموبوء بالربو.. أجابتني واثقةً: أنتم ما تجوزون من طِباعكم - أنت مثلهم ليش ما بقيت في الشمال- دسّت يديها في جيب عباءتها وهي تقول بصوتٍ أوهنه وجع اللحظة: يا ولدي.. أنا سعودية أباً عن جد.. ولعل هذه ثم راحت تمدّ يداً لُفّ بطرفها ورقة بيضاء موشاةً بخطوط زرقاء وأرقام.. وما إن تناولتها حتى تبيّن لي أنّها: « فاتورة كهرباء»..! ما هذه.. سألتها. فأجابت: هذه - شوفة عينك - الشيء الذي يذكرني أنا وزوجي المريض كل شهر بأنّنا لم نزل بعد: «سعوديين» على ذمة ولاة أمرنا.. نحب هذا البلد وأهله وحكومته.. في حين يذكّرني هذا المسجد وريالات العمالة التي يتصدّقون بها علىّ أني لم أزل بعد: «مسلمة».!
خَجِلت فتضاءلت أمامها وزِدت الطين بِلّة لأني فعلا قد نسيتُ «البوك» في البيت.!!
حين تكون بطاقة الهوية: "فاتورة الكهرباء"!!
خالد السيف2 دقائق للقراءة

حجم الخط
