القاعدة الفقهية تقول: (الأصل في الأشياء الإباحة)، أظنكم تنظرون إليّ الآن وتحوقلون، ولسان حالكم يردد: طيب وش الجديد؟، والحقيقة أنه لا جديد، لكن الحديث هو عن (اللا جديد)، وما هذه القاعدة الفقهية إلا مثال، ويمكن أن نقيس عليها الكثير من القواعد التي نحفظها عن قلب (وليس عقل) لكننا لا نعمل بها، نعطلها بلا وعي، ففي لا وعينا الجمعي أن كل جديد هو بالضرورة غير مباح حتى يصبح ضرورة، وبعد ذلك نسخر من تحريمنا لأشياء طبيعية، ولعلنا نذكر – بطرافة – الفتاوى التي حرّمت المذياع والتلفزيون والدش، وحرمت مشاهدة مباريات كرة القدم لأن اللاعبين يلبسون (شورت) يظهر العورة، بل وحتى تعليم المرأة، ويجب ألا نسرف في السخرية لأن هذي الفتاوى ما زالت تتكرر في نفس الجِدة والتفاصيل، كموقف البعض من تدريس الفلسفة، أو موضوع قيادة المرأة للسيارة، فنحن الجيل الذين نسخر الآن من فتوى سماع المذياع أو نستشهد بموضوع تحريم المرأة على سبيل الظرافة لا نشعر أن تحريم قيادة المرأة للسيارة أو تدريس الفلسفة موضوع بديهي لا يستحق أن تستفتي عنه وليس أن تسمع لفتوى تحرمه، كل ما في الأمر أن الموضوع خلال سنوات فقط سيصبح سخرية تستشهد به الأجيال القادمة، سيقول الجيل القادم بأننا مغيبون وسُذّج، ولن يسمع تبريرنا للأمر، كما نظرنا نحن للجيل الذي سبقنا!
البديهي أن كل جيل يتجاوز الذي قبله، فهذه طبيعة الدنيا، فمصادر العلم والمعرفة بل وحتى طرُق التعليم لم تعد كالسابق، فأصبح الإنسان من خلال (النت) يستطيع وبسهولة أن يبحث عن المعرفة، بل ويختار (المُعلم) الذي يريد في الوقت الذي يريد، وأصبحت عبارة (ثني الركب) ليست أكثر من عبارة مجازية تعبّر عن الأصالة، لكن مع كل هذا التطور الهائل في وسائل المعلومات والمعرفة لم نستطع التخلّص من (التوجس)، وهذه يبدو أنها من خصائص مجتمعنا، فكل الأشياء الجديدة نتعامل معها بطبيعتنا (التوجس)، ولهذا تأتي الفتاوى متسقة مع تفكيرنا فنقبلها لأننا في الأصل نخاف من هذا القادم المجهول بالنسبة لنا، وبدلاً من التسلح بالمعرفة التي توضح لنا ماهية هذا الشيء الجديد الغامض فإننا نُقدم الفتوى الرافضة له لشعورنا أنه (قد) يكون وبالاً علينا، فنتمسك بها – الفتوى- وندافع عنها، وبعد أن نتبين أن الأمر لا يستلزم كل هذا الخوف والتوجس نعود لنسخر من الفتوى، والحقيقة أن سخريتنا هُنا ليست أكثر من محاولة بائسة للتبرؤ من سذاجتنا، وتعليقها على مشاجب أُخرى، سيّما ونحن ننظر لمن يبادر بالتحريم نظرة ثائر وبطل لا تأخذه في الحق لومة لائم، وعندما تتضح الحقيقة فإن كل ما يلزمه أن يعلن (تراجعه) عن رأيه السابق، وهنا أيضاً نُكبر فيه شجاعته ونعده بطلاً!