يقول الشافعي يرحمه الله:
إني رأيتُ وقوفَ الماء يفسده
إن ساحَ طابَ وإن لم يجر لم يطب
والشمسُ لو بقيت في الأفق عالقةً
لملّها الناسُ من عُجمٍ ومن عَربِ
إنها الحياة وسنتها القائمة على التغيير والإحلال والتبديل .. وهم الناس الذين تيقنوا عبر الدهور .. أن كل شيء عدا وجه الله تعالى غير باق.. ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام .. هذا هو المفهوم العام لدورة الناس والحياة .. وهو ثابت على مدى الأيام.
لا أقول هذا الكلام اليوم تعزية أو مواساة لمن غادر من الوزراء منصبه .. وقد تكون التهنئة هنا هي الأنسب والأصدق، فهم وحدهم العالمون بمدى ما كانوا يواجهون من مسؤولية على مدار الساعة .. وهم وحدهم المدركون لمدى الجهد والعناء الذي كانوا يبذلون، وأسرهم وحدها هي التي تعرف ماذا كانوا يفتقدون .. وكم كانوا يضحون .. ولكن من أجل عيون الوطن كل شي يهون ..
وإن واجبنا اليوم أن نقدم الشكر والعرفان أولاً للوزراء المغادرين بعد ما قدموا عبر سنين كل ما لديهم من طاقة .. وعملوا بإخلاص وتفان، بدافع من الثقة الملكية الغالية، التي اختصتهم بالاختيار أولاً .. ثم بالدعم والمؤازرة في المقام الثاني، ليتواصل العمل الدؤوب في بلادنا العزيزة استهدافاً لخير المواطن وعلوالوطن.
وكم كان خادم الحرمين الشريفين .. كالعادة حكيماً حين اختار هذا التوقيت بالذات، ورغم كل الظروف والمشكلات التي تطوق عالمنا العربي والعالم من حولنا .. فأقدم - يحفظه الله - على أكبر تغيير وزاري في السنوات الأخيرة شهدته البلاد دفعة واحدة .. ليؤكد للمواطنين وللمراقبين وللمتربصين في ذات الوقت.. أن هذه البلاد غنية بما حباها الله من قدسية، وعامرة بما استودع أهلها من حب وإخلاص .. وآمنة بمقتضى إرادته وحده لا شريك له.
وكأنه، يحفظه الله .. أراد في هذا التوقيت أن يفتح كل أبواب الطموح لكل الطاقات ولكل الكفاءات وكم جاء الاختيار بمجمله معبراً عن فكر وقاد حين تم .. وضم أعماراً مختلفة من شباب ناضج وكبار مكتملين، فالعمر ليس بمحدد لكفاءة وليس بمجدد للقدرة ولكنها المعرفة والخبرة.
وعلى سبيل المثال .. كان اختيار معالي الأستاذ سليمان الحميد لوزارة الشؤون الاجتماعية ، وهو رجل تزاملت معه في بعض المجالس وفي فترات من حياتي وأعرف عنه ذلك القدر من الإخلاص.. وسعة الأفق.
وجاء لوزارة الثقافة والإعلام معالي الدكتور عبدالعزيز الخضيري ..شاب مثقف ورجل أديب .. وله رؤية ستمكنه، بحول الله، من استكمال مسيرة الإعلام والثقافة السعودية .. التي ساهم في إعلاء هرمها:
أولاً: السياسة الثابتة المستقرة لرؤية المملكة الإعلامية والتي جذبتها للخوض في هوامش حفظت لها الاعتدال والهوية على مدار عقود طويلة.
ثانياً: الوزراء العظام الذين قادوا مسيرة الإعلام والذين لا ينكر لهم الفضل، بعد الله .. وأخص منهم معالي أخي العزيز الراحل الدكتور محمد عبده يماني، يرحمه الله بفضله، وكذا معالي أخي الأستاذ علي الشاعر عافاه الله، والذي تعاملت معه يوم أن كان مشرفاً على النشاط الإعلامي في الجامعة وكنت أستعين بفكره وعلمه وخبرته وأنا رئيس رابطة الطلاب بالجامعة وقد أسهم، شفاه الله، بشكل مؤثر في الأنشطة الثقافية ولا أنسى أخي معالي الدكتور فؤاد فارسي .. ومعالي أخي الدكتور عبدالعزيز خوجة آخر وزراء الإعلام قبل التعديل.
ثم منحت الثقة الملكية الغالية لمعالي الدكتور خالد السبتي، لتولي حقيبة التعليم العالي .. وهي خطوة يكسوها التوفيق .. خاصة أن الرجل جاء من نيابة الوزارة في التربية والتعليم .. وكان هذا التعيين الأولي والعالي لتتضافر الجهود من أجل جعل مخرجات التعليم بشكل عام تتلاءم مع متطلبات الحياة العصرية تجنباً لخوف من علم لا يُعمل به .. استعاذ منه رسول الله، عليه صلاة الله وسلام الناس أجمعين.
وأرجو ألا يفهم أحد على الإطلاق أنني لا أحب من لم أذكرهم اليوم بالاسم .. فقد لا أعرف بعضهم وأتمنى أن يجعلوني أشعر بالذنب .. لأنني لم أعرفهم وهم ما سيكونون عليه، بحول الله، من نجاح وتوفيق.
ولعلي أعرف كغيري أن ولاة الأمر، يحفظهم الله، قد حددوا في نظام الحكم فترة تعيين للوزراء قوامها أربع سنوات، وفي النص .. ويمدد لهم بعدها..
وكم أتمنى لو حددت فترة التمديد بفترة واحدة فقط، ذلك أن ثماني سنوات يقضيها شخص واحد وهو يؤدي بكل جد وإخلاص عملاً واحدا .. ستستنزف كل ما أودعه الله فيه من طاقة خلاقة وقدرة على الإبداع والابتكار .. وخاصة أنه عادة يكون الوزراء حين تعيينهم قد تجاوزوا الأربعين، وبعضهم بكثير .. وليس معنى أن يغادر الوزير بعد الفترة الثانية، إذا تم التمديد له، أن يغادر إلى النهاية، ولكن هي بداية لسنوات قادمة يمكن للبلد وللناس أن يستفيدوا من كل ما تحصل عليه وعاشه من خبرة إدارية ورؤية تنفيذية، وذلك إذا بدأنا في تشكيل مجالس حكماء متخصصة في مجالات متعددة كالصحة والعمل والتعليم والمواصلات والنقل وغيرها .. وضم وجمع كل الوزراء السابقين مع كل المتخصصين في هذا المجال من المتقاعدين.. ليوفروا النصح للوزير القادم، والمشورة للمشاريع الكبرى في البلد من واقع خبرة وتجارب يمكن الاستفادة حتى من الأخطاء التي وقعت فيها فلا تتكرر، توفيراً للكثير من الوقت والمال، لنصل، بحول الله، بسرعة ودقة أكبر لتحقيق الأهداف والآمال.
وصدق الله العظيم القائل: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْض لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) 251 (البقرة)