لم تزل تثير انتباه قارئها تلك الوصية التي اخترعها الكاتب الأمريكي هنري ميلر في مؤلفه (الكتب في حياتي) قائلا: «اقرأ أقل ما يمكن..!» .. وتابع قائلا: «لا ينتابك الشك في أني حسدت أولئك الذين غرقوا في الكتب، أنا أيضا، أود في سري أن أخوض في تلك الكتب كلها التي طالما عبثت بها في عقلي، لكني أعلم أن هذا ليس مهما، أنا أعلم الآن أني لم أحتج لقراءة حتى عشر ما قرأت».
وإذ يلوح هنري ميلر بأن «هناك دائماً كتبا ثورية مغيرة، كما يعبّرون. هي كتب موحاة وموحية. وهي كتب قليلة ومتباعدة طبعاً. يكون الإنسان محظوظاً إذا حظي بعدد قليل من هذه الكتب في حياته. علماً أن هذه الكتب ليست تلك التي تغزو عموم الناس. إنها الذخيرة المُخَبّأة التي تغذّي أناساً أقل موهبة لكنهم يعرفون كيف يميلون لإنسان في الشارع. الحجم الكبير للأدب في الشارع، هو من أوصل لي هذه الفكرة. المسألة التي لا تُحَلّ – يا للعجب! هي إلى أي مدى سيكون هذا الكتاب فاعلاً ليستر الكمّ المنهال من العلف الرخيص؟ الشيء الوحيد الأكيد اليوم هو أن الأميّ ليس هو الأقل ثقافةً بيننا».
ويرجعني بوح ميلر إلى عبارة الجاحظ المشهورة: (المعاني ملقاة في الطريق يعرفها العربي والعجمي).
ويفاجئ ميلر قارئه بفلسفة أخرى تنبئ عن أن: (الكتب تشكل جزءا من الحياة كالشجر والنجوم، لا أكن احتراما لها في ذاتها ولا أضع المؤلفين في أي فئة خاصة مميزة، إنهم كالأشخاص الآخرين لا أفضل ولا أسوأ، فهم يستغلون القوى الموهوبة لهم، كأي نظام آخر في الوجود البشري، إذا دافعت عنهم بين فترة وأخرى كطبقة، يحدث هذا لأنه في مجتمعنا على الأقل، لم ينالوا أبدا الاحترام الذي يستحقونه، فالعظماء منهم بخاصة عوملوا دوما كأكباش فداء).
ومع هنري ميلر أتساءل: ترى أي كاتب منا لم يعامل ككبش فداء بعد؟!
كبش فداء هو الكاتب
هدى الدغفق2 دقائق للقراءة

حجم الخط
