قال الملك إن دينكم هو الأولى ببحثكم وقولكم ونشاطكم الذي يطرد كسل نفوسكم حين سئمتم المراجعة لتبيين الحق للناس، وحين يقول الملك ذلك فإنه يضع مقياسا لأثر العلماء على المجتمع يجعلنا نعتقد أنّ النشاط هو الجهاد في سبيل الله بالكلمة والموعظة الحسنة بكل ما تحمله من معنى إعادة النظر في معطيات المستجدات وعرضها على مقاصد الشريعة بنية صافية أن يحيى من حيي عن بيّنة ويهلك من هلك عن بيّنة. والملك حين يتكلم بالإيجاز والعفوية، اللذين اقتضى كلا منهما مقام التوجيه، يربط بين مقام الميزان وبُغية الاعتدال في مكاييل المعلومات ومثاقيل الأمانات، لتكون مخرجات التأصيل من علماء دين رب العالمين موافقة لأصل الاقتضاء، مناسبة في صياغة الخطاب لمفهوم مجتمع اليوم، فمن غير المقبول، في اعتقادي بعد أمر الملك، أن يختزل من آتاه الله العلم، بفضله ثم بتيسير ودعم وإعانة الدولة، دوره في وعظ منبر تقليدي الإنشاء والبناء والإلقاء أو درس في فئة من الناس لشرح أحكام ببيان هو من ذات تصنيف الأقدمين وما شاكل ذلك من تحنيط للمفهوم الشرعي يُقصي العامة ويُدني بعض من رغب ولا يصنع فكرة أو يعالج أزمة. نحن في هذا الوقت الحساس نفقِدُ صُواع الملِك الذي به يعرف المأمورون موافقة عملهم لما لفت له الملك انتباههم ودعاهم له، وفقدُنا لهذا المعيار، رغم أنّ الملك صرّح به مجدّدا وذكّر العلماء به مؤخرا، راجعٌ إلى أنّ الافتراضات اختطفت التوجيه قبل إمعان النظر في المرامي، والارتجالات ركبت موجة التهافت قبل تخطيط رسالة مسؤولة تتطابق مع ما وجّه به الملك، ولا يمكن أن تمرّ ملاحظة أي مواطن عاديّ لحال مأمورين بعد إذاعة خبر توجيه الملك دون أن يشعر عفويا بدُوار فَقْدٍ لأصالة ورصانة وعمق ما سمعه من الملك في تصرّفات استعجالية من بعض قوم ناموا أياما وشهورا واستيقظوا على فجاءة تنبيه فأسرعوا للصلاة من غير وضوء، خوفا أو طمعا. والحقّ، الذي أحسب أنّ خادم الحرمين الشريفين أفضى به إلينا في مخاطبته لعلماء هو بهم أعلم منا، وفي مجلس عام ضمّهم مع غيرهم، هو أنّ الدولة للعلماء راعية وداعمة ومقدّرة حين تجعل في أعناقهم مسؤولية بلوغ التأثير بالحق في سلوكيات وثقافة مجتمعنا العربي المسلم، والملك يدرك أنّ مواجهة صاحب المسؤولية ببعض تقصيره أمام صاحب الحق في تلك المسؤولية، وهو الشعب، يقع في استفاقة الكسالى موقع الجدّ والتعظيم والاهتمام، لعلّهم إن راجعوا موقفهم بين يدي ملكنا وملكهم خادم الحرمين الشريفين تنشط فيهم أولوية حدّدها لهم، وهي (دينكم ودنياكم) وقد فصّلتْ لهم أوامره وتوجيهاته السابقة ما هو مطلوب منهم بأصالة التكليف الرباني ثم بسلطة الطلب الحكومي المهني المعرفي. ولا شكّ بأن كسَل عالمٍ في إعمال أدواته العقلية ومراجعة مدلولات ما يعلمه من نصوص الشرع في فتن ونوازل مجتمعه نقطة نظامٍ استحقّت عتابَ الملك، فلم نسمع يوما بأنّ مؤسسة علْمٍ بصدد اجتماعات ولقاءات فكريّة ومنهجيّة لتدارس همّ وطنيّ وإقليمي وإسلاميّ يجمعُه صُواع الملك.
نفقدُ صُوَاع الملِك
محمد أحمد بابا3 دقائق للقراءة

حجم الخط
