عام بعد آخر ترتفع نسبة القروض الاستهلاكية في المملكة، دون اكتراث للنتائج المترتبة على ذلك، ولذلك تسجل المملكة كل عام أعلى نسبة نمو في القروض الشخصية الاستهلاكية في منطقة الخليج، لتصل نسبتها إلى الناتج المحلي الإجمالي بنحو 11%، قارعة بذلك جرس الإنذار والتحذير من التشوهات التي قد تلحق بالاقتصاد الوطني والمجتمع.
ولكي تكتمل الصورة، ويكون سيناريو القروض وواقعها المخيف أكثر وضوحا، فقد نشرت صحيفة الاقتصادية السعودية في 6 أغسطس 2014 تقريراً كشف تضاعف القروض الاستهلاكية في المملكة أكثر من 9 آلاف مرة خلال 16 عاما، لتبلغ 333.75 مليار ريال في نهاية الربع الأول من العام الحالي، مقارنة بنحو 9 مليارات عام 1998.
واستمرت هذه القروض في النمو لسبعة أعوام متتالية لتبلغ 12.3 مليار ريال في 1999، و 24.8 مليار ريال في نهاية عام 2000، كما ارتفعت إلى 38.4 مليار ريال في نهاية عام 2001، وفي 2002 زادت لتبلغ 52.9 مليار ريال، فيما بلغت 73.3 مليار ريال في عام 2003، ثم واصلت نموها لتصل 115.3 مليار ريال في عام 2004، فيما بلغت 180.9 مليار ريال في نهاية عام 2005.
ووفقاً للتقرير، فقد نمت القروض الاستهلاكية خلال عام واحد 9% لتبلغ 333.75 مليار ريال في نهاية مارس 2014، بزيادة قدرها 26.3 مليار ريال عن مستوياتها في الربع الأول من 2013، وستواصل مسيرة القروض الاستهلاكية في النمو خلال الأعوام المقبلة في ظل بقاء السياسات المالية والاقتصادية كما هي عليه الآن، والصمت المستمر من قبل الجهات المعنية تجاه هذا النمو المخيف.
فالأرقام السابقة حول تفاقم حجم القروض الاستهلاكية، والتي تنحصر في قروض بطاقات الائتمان، وشراء السيارات والمعدات، وترميم وتأثيث وتحسين عقارات، لا يمكن قراءاتها كأرقام ومبالغ مالية فقط، دون ربطها بالجوانب الاقتصادية، المعيشية، الاجتماعية، والأمنية كثقافة الادخار، والواقع الاجتماعي الحالي، والمشاكل طويلة الأجل التي ستخلقها.
وربطها بالواقع الاجتماعي والمعيشي للمواطن العادي سيكون أكثر واقعية، وسيكون السؤال البديهي والأبرز في هذا السياق، لماذا يلجأ المواطن للاقتراض؟ وهل هذا الاقتراض ضرورة أم ترف؟ وما البديل لذلك؟ كل هذه الأسئلة حق مشروع للجميع سواء كانوا مسؤولين أو مواطنين أو هيئات حقوقية أو مدنية؟ وإن كانت معرفة إجاباتها أكثر أهمية لصانع القرار وراسم السياسات دون باقي الفئات الأخرى، ولكن لا أظن صانع القرار أو راسم السياسات قرأ المشهد بصورة واقعية، أو بحث عن إجابة منطقية لأكثر الأسئلة عقلانية، لماذا يقترض المواطن؟ وماذا بعد هذا النمو؟.
يقينا أجزم أن اقتراض معظم المواطنين ضرورة وليس ترفاً، ضرورة تقدرها الحاجة، ودوافع معيشية أساسية، كبناء مسكن أو صيانته، وشراء سيارة، إذا ما علمنا أن معظم رواتب وأجور السعوديين تقل كثيرا عن مستوى «خط الكفاية في السعودية» الذي قدرته دراسة مؤسسة الملك خالد الخيرية التي نشرت في أبريل 2014 عند مبلغ 8926 ريالا شهريا، والمقصود هنا بخط الكفاية هو الحد الذي يمكن عنده للأفراد أو للأسر أن يعيشوا حياة كريمة، دون الحاجة إلى مساعدات إضافية، والحياة الكريمة تتطلب أساسيات لا يمكن التنازل عنها، ولا يمكن توفيرها إلا بالاقتراض في ظل المستويات الحالية للرواتب.
كما أنه لا يمكن تجاهل أو إغفال الضغوط المالية التي خلقها التضخم وارتفاع أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية، في ظل غياب دور الجمعيات التعاونية، ودعم السلع الاستهلاكية الأساسية، وإيجارات المساكن التي تقتص ما بين الثلث إلى النصف من رواتب الموظفين، ولذلك أصبح الاقتراض الوسيلة المثلى لكثير من المواطنين لتأمين ضرورات الحياة في ظل القدرة على السداد، وإن خلقت ضغوطا اجتماعية أخرى.
هذه التحديات المتمثلة في ضعف الرواتب، وزيادة التضخم التي أجبرت المواطنين على الاقتراض، تناقض كل الاتهامات والادعاءات التي وصفت اقتراض المواطنين بأنه ميل للترف والثراء الزائف، وجنوح نحو النزعة الاستهلاكية على حساب الادخار الشخصي - الذي لم يعد له وجود في الثقافة السعودية إلا فيما ندر- الذي يفترض أن يكون سمة رئيسة في واحدة من أعلى البلدان فيما يتعلق بنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي.