أن ترى امرأة تدخن السيجارة وتنفث الدخان بطريقة احترافية عبر نافذة السيارة في الطائف مثلا، فهو أمر منكر ومستهجن وقد يتطلب تدخل الهيئة والشرطة وأهل الفزعة بعد بلاغ احتسابي أو رجولي أو وطني من قبل أحدهم، ولكن أن تراها تتفنن في جر نفس عميق من أرجيلة فاخرة على ساحل الجرح الأحمر بجدة، فهذا أمرٌ مألوفٌ، ولا يستدعي تشكيل لجنة لدراسة الظواهر السلبية في المجتمع، أو إعلان حالة الطوارئ في المدينة الفاضلة أو إعداد دراسة للحد من تلوث البيئة قبل تلوّث العقول!
ولن تتملكك الدهشة حينما ترى رجلا يتمشى وهو يرتدي سروالا قصيرا (شورت) مزخرفا وقميصا مزركشا على كورنيش نصف القمر بالخبر مثلا، بل ستتوحش وتظهر في داخلك كل دواعش الدنيا حينما تصادف ذات المشهد في قريتك المستقرة أو هجرتك المهاجرة، لتنكر عليه بيدك ولسانك، بينما قلبك آمن مطمئن!
والأمثلة كثيرة والمشاهدات وفيرة، فما تراه في الرياض خارقا للمألوف قد تجده في جازان مثلا عادة يومية، وما تستهجنه في قريتك قد تجده نمطا حياتيا عندما تقتحمك المدينة بكل طقوسها وشخوصها.
ففي إحدى الرحلات البرية لإحدى الدول العربية أتذكر مجموعة من الشباب الذين كانوا يملؤون الحافلة نكاتا وموسيقى أحيانا، وهدوءا وشخيرا أحيانا أخرى، وبعد أن تجاوزنا حدودنا وأعني هنا حدود البرية، شعر هؤلاء الشباب أنهم خلعوا أثقالهم النفسية، وصادف دخولنا إلى حدود تلك الدولة التي كان يعرّش الياسمين بين أصابعها كما يصفها نزار قباني ذات قصيدة، صادف إشراقة يوم جديد، والموظفون والكادحون في الأرض ذاهبون لأعمالهم، أتذكر أن الحافلة كانت تترنح ذات اليمين وذات الشمال بسبب انتقال هؤلاء الشباب من جهة لأخرى لمشاهدة وجوه النساء الأنيقات الذاهبات إلى أعمالهن، وبعد يومين كان هؤلاء الشباب يتوسدون رمال البحر الذي يعج بالكائنات الجميلة، وهم يقرؤون دفاتر الموج، وقد استكانت نفوسهم، دون أن يتجمهروا - مثلا - حول فاتنة تتماهى مع زرقة البحر!
فالمسألة في نظري هي مسألة تعوّد، وألفة مع المكان والحياة الاجتماعية الغالبة التي تطبّع الناس على حياة كربونية، تؤصّل بعض القيم السائدة في محيط الحارة أو الحي أو حتى المدينة بأكملها.
فابن القرية يأتي مثقلا بعادات وموروثات قد يتخلى عنها مع أول (بشكة) في حارة تحكمها قوانين مختلفة، ولوائح تفرض الولاء للحارة أولا، فيضطر الإنسان أحيانا للعيش بشخصية مزدوجة بين البيت والشارع، لدرجة أن لسانه يتقن لهجتين تتشظيان بين وطن القبيلة وقبيلة الوطن.. ويكفي.
وطن القبيلة.. قبيلة الوطن!
خالد قماش2 دقائق للقراءة

حجم الخط
