الحياة حركة دائمة تتموج فيها الثنائيات من الاختلاف الصغير وصولا إلى حد يشبه التناقض، مما يجعلها مركبا ليس بالبسيط، وحياة اليوم مركب معقد وسريع ومصلحي، يتم تشكله بطريقة خطيرة، حياة ضحاياها الضعفاء والكسالى المتباطئون، والذين لا يحسنون رسم خرائط مصالحهم.
إزاء هذا الحراك الذي لا يرحم كان سؤال التطوير والترقية مطروحا بكثرة في مجتمعات الضحايا، وبكل تنوعاتها، بما في ذلك البعد الديني بأشكاله الثلاثة: (الفكري، والخطابي، والسلوكي).
وباعتبار أن الوعي عملية إدراكية تعتمد قراءة التجارب والوقائع والأفكار، فإن العمل الإسلامي مارس، كغيره، هذه العملية على مدخلاته ومخرجاته، وأنتج لذلك ما سماه بـ (الوعي الإسلامي)، فهل كان يمارس الشيء الصحيح؟ وهل كان يمارسه بشكل صحيح؟ هذا ميدان مهم للقراءة والنقد.
لن أسلك بيان الأخطاء وتشريحها تحت مسمى تقويمها وتصحيحها، فلست من هذا المنهج، ولكنني أكتب رؤيتي، وأترك للقارئ الكريم تشكيل علاقته مع الفكرة حسب واقعه وفهمه.
الحديث سوف يكون على ثلاثة مرتكزات شمولية:
أولها: الانطلاق بثقة، وأول الأمر وأهمه الثقة بالذات، فالعمل الإسلامي الذي يقوم على فكرتي (المؤامرة والابتلاء) والذي أنتج مشروعا يصح تسميته بـ(المواجهة) أي مواجهة كل جديد، أو كل ما لا يتفق ومعرفة الفرد والجماعة.. هذه المواجهات لا تعكس الثقة بجدارة العمل وقوته الذاتية وجاذبيته الحقيقية.
وإذا كانت الثقة، كما يقال، هي أم الإنجازات، فهي بمفهومها الجميل لا تعني الممانعة والمعاندة والصلابة، بل هي التلقائية والانسيابية الواعية، الثقة الحقيقية هي التي تعطي القدرة للوعي الديني على تجاوز الأفكار المسيطرة على حركته مما ذكرته من فكرتي (المؤامرة والابتلاء) وليس بعيدا عنها فكرة التفكير بالعقل الجمعي إلى حد يلغي التفكير الفردي ولا يقبل التعامل مع منتجاته، وإنما بعمد إلى تهميشه وازدرائه!!
يحتاج العمل الإسلامي والوعي الديني إلى ثقة تدعمها المعرفة والحكمة والقدرة على مشاركة فاعلة للحراك المجتمعي والتحول العالمي، وهذا ما يؤكد المرتكز الثاني وهو:
الوعي الإنساني، أولا: إن إدراك الوعي الديني يتعامل مع الإنسان كما هو القرآن الكريم في حديثه مع وعن الإنسان، هذا الإدراك، سيحول الفكر الديني إلى فهم حقائق الطبيعة البشرية، فهما يجعل التيسير هو جوهر الأحكام، والحب هو طريق الهداية.
ليس من الوعي الصحيح عزل الإنسان عن الحياة والمشاركة فيها، وليس من الوعي الصحيح تقويض أبنية التنمية، وتحزيب المجتمعات وتوهينها، وليس من الوعي في شيء ترهيب الناس عن دينهم بأي طريقة كانت، فالدين لله وليس للمتدينين فقط، وإن مشاركة الناس في حياتهم ومشروعاتهم الطريق الأفضل والمصلحة الأقوى للوعي الديني وتقويم تجربته.
ثالثا: الوعي المتجدد، ذلك أن الوقوف عن مرحلة معينة من الوعي، أو الاكتفاء بأنصاف الوعي وهوامش المعرفة، لن يصح اعتباره وعيا، بقدر ما يمكن اعتباره تذبذبا في الرؤية.
تجديد الإنسان نفسه أيا كان حقله وميدانه، تجديدا معرفيا وحياتيا هو السبيل لجدارته بالنجاح وتحقيق الوجود، سيما اليوم في عالم المعرفة والمعلوماتية والوسائطية الخطيرة، فإن كل يوم، بل، كل لحظة يسمح فيها الإنسان لنفسه بالكسل والتواني فإنه يضيع عليها فرصا كبيرة ومصالح عظيمة، ومن يعمل في الحقل الديني علما ودعوة هم شريحة مهمة يتوجه إليها القول باستمرارية تجدد الوعي.
إن تجدد الوعي مرهون كما أسلفت آنفا بالقدرة على تجاوز كل ما لا ينفع أو كل ما يعطل العلم والعمل، أما الخشية من التغيير تحت أي غطاء فإنها إعلان صريح على نقصان الأهلية، ففقدان الوعي فقدان للرشد! أوليس كذلك؟
الكلام عن تحديات الوعي الديني يجب أن يكون صريحا ومكشوفا، ومشاركا فيه من الجميع، ولا يبقى حديث الأسرار ومداولات الشيوخ.. وجميل أن يرى الناس في علماء دينهم جرأة علمية على تغيير مواقفهم ورؤاهم وفتاواهم نحو الأصلح. بدل أن يتقاعدوا وهم على السلم الأول من وظيفة الحراسة والممانعة، سدد الله الخطى وبارك في الجهود.