أنهار الدم تدفقت بغزارة في غزة المحاصرة حتى دخول الهدنة الموقتة حيز التنفيذ في يوم الثلاثاء الماضي وحتى ذلك الحين كان الرجل المجنون على رأس السلطة في تل أبيب يطلب من ولي نعمته أمريكا الموجة تلو الموجة من الطائرات المقاتلة، والصواريخ والأسلحة الفتاكة.
إنه يحصل من الولايات المتحدة على أسلحة الدمار الشامل مجاناً وتكون ممتنة له وشاكرة إن هو تواضع وقبلها بأريحية وترحاب. أما إذا نفدت ذخيرته أو كادت، فإن الكونجرس الأمريكي يعطيه منها ما يفي ويزيد من أجل قتل الشيوخ، والنساء، والأطفال العزل في غزة المحاصرة. وبينما كانت الشعوب العربية تشتعل غضباً وإحباطاً، فإن الحكومات العربية كانت تلتزم الصمت المطبق ما كان مثار دهشة واستغراب العدو نفسه.
وفي وسط هذا الخذلان والإحباط، خرج علينا خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز يحفظه الله يوم الجمعة الماضي بخطابٍ ضافٍ للأمة استنكر فيه صمت العالم على جرائم إسرائيل الوحشية في غزة واصفاً هذا الصمت بأنه غير مبرر على الإطلاق. وعلى إثر الخطاب الملكي القوي، انهالت التغريدات على الفضاء الإسفيري متساءلة عن غياب المبادرات الدبلوماسية والتحركات العالمية، وإغلاق المعابر ومستنكرة منع وصول الأدوية والمعدات الطبية لإنقاذ الجرحى في غزة المنكوبة. وحتى البابا فرانسيس بكى وهو يصلي في الفاتيكان من أجل السلام ووقف المجازر الإسرائيلية ضد المدنيين العزل في القطاع.
وفي موازاة الصمت العربي الرسمي خرجت المظاهرات في مختلف مدن العالم مستنكرة ومنددة بالاعتداء الإسرائيلي الوحشي على غزة، وشارك في هذه الاحتجاجات المسيحيون، والهندوس وحتى اليهود أنفسهم وذلك للتنديد بالمأساة في غزة وقتل الأطفال الأبرياء الذين ملأت أشلاؤهم الشوارع والبيوت المهدمة. وهدمت إسرائيل متعمدة رياض الأطفال، والمدارس، والمستشفيات والملاجئ وحتى أنها قصفت مدرسة وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين التابعة للأمم المتحدة (الأنروا) ثلاث مرات في غضون عشرة أيام ما أدى إلى مقتل وجرح العشرات من الأسر الفلسطينية التي احتمت بها بأمل أن تنجو من المذابح الإسرائيلية، وفي غضون الصمت أو العار الحكومي العربي قامت بعض الدول (غير العربية بالطبع) بسحب سفرائها من إسرائيل احتجاجاً على الفظائع التي ترتكبها في غزة. وهددت الأرجنتين مواطنيها ممن يحاربون في الجيش الإسرائيلي بأقصى العقوبات التي قد تصل إلى سحب الجنسية منهم كما أعلنت بوليفيا رسمياً بأن إسرائيل دولة إرهابية.
ومما يحز في النفس أن بعض الكتاب العرب انتقدوا حركة حماس وألقوا عليها باللوم بأنها البادئة في إشعال هذه الحرب بإطلاق الصواريخ على إسرائيل التي لم تتأخر في الرد عليها بإعلان الحرب غير المتكافئة.
إن الحرب اللعينة استهدفت سكان غزة المحاصرين والمحرومين من حقوقهم المشروعة بالعيش في سلام وأمان. إن ما حدث في غزة هو ببساطة استعمار جديد، واضطهاد وانتهاك لأبسط حقوق الإنسان. وما حدث في حقيقته جبروت قوى عظمى بلا قلب وإغفالها لحق شعب كامل في الحياة الكريمة وهذه القوى العظمى خاضعة ذليلة لربيبتها إسرائيل. ولم يتورع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتينياهو من تقريع وزير الخارجية الأمريكي جون كيري بعد أن كان طلب توسطه وتدخله لوقف الحرب.
إن الذي جرى في غزة حرب طاحنة بين دولة تتلقى الدعم المالي والعسكري واللوجستي من الولايات المتحدة بلا مقابل وبين شعب أعزل بلا حول ولا قوة في مدينة صغيرة محاصرة. والحديث هنا عن القنابل العنقودية والغازية والصواريخ المدمرة ضد شعب أعزل وعن حرب غير متكافئة ومجازر وحشية قام بها الطرف الأقوى والأكثر تسليحاً ضد الطرف الأضعف والأعزل والأقل حيلة. وبالطبع فإن أي تقريع أو مساءلة لإسرائيل هو بمثابة الكفر البواح بالنسبة لرئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند.
وبينما تستمر الجرائم ضد الإنسانية في غزة، أستذكر حديثاً دار بيني وبين أحد الإخوة الفلسطينيين الذي قال إن كل ما يريده هو العيش في سلام وبكرامة لكنه لم يجد السلام ولا الكرامة كما أنه يشعر بالإحباط من موقف دول العالم السلبي تجاه أنهار الدماء التي سالت في جزء عزيز من وطنه.
وأضاف هذا الرجل أن أكثر ما يزعجه هو العبارة المتكررة بأن الأطفال والنساء يستخدمون كدروع بشرية من قبل نفس الناس الذين يقصفون الشعب الفلسطيني بلا شفقة أو رحمة. وبالنسبة للعرب فلا أحد يود مساعدتهم أو الوقوف إلى جانبهم كما أنهم لا يمكن أن يعيشوا على التسول إلى الأبد. ولا بد لهم من النضال للبقاء لكن هذا لن يتأتى إلا بعد ترتيب البيت العربي من الداخل.
ومن المفارقات العجيبة أنه يمكنك أن تحصل على العون الأمريكي إن أردت غزو دولة عربية أخرى غير أنك لن تحصل على أي سند دبلوماسي من الأمم المتحدة في هذه الحالة. وكما يعلم كل الرجال الشرفاء والوطنيين فإن العرب لا سند لهم ولا معين إلا الله سبحانه وتعالى، وعليهم إذن الاتكال على الله وبناء قدراتهم الذاتية للدفاع عن أنفسهم.
صمت العرب والدماء تسيل
خالد عبدالرحيم المعينا4 دقائق للقراءة

حجم الخط
