في حارة اليمن بمكة المكرمة، وفي ساحاتها التي تذكرنا بميدان معركة، تتزاحم عشرات السيارات، أحيانا فوق بعضها، تماما كما تخلف المعارك الجنود ما بين جريح وقتيل، المستشفى الميداني تقابله الورشة الميدانية، برك الدماء، تنعكس بلون أسود في بقع الزيوت والشحوم، وكمغامرات المسعفين وأهميتهم، هم الصبية أو المعاونون تحت هياكل من حديد أو فوقها، ويبقى القرار الأخير بيد الميكانيكي بإصلاح سيارة أو إعلان تلفها، وأبرز تقاطعات الصورتين الأصوات، والدوي، والانفجارات، والأنين، والأزيز، وصرخات التواصل بين أطراف المشهدين، والمحيط السمعي بأكمله.
عند ورش الهواء الطلق بساحات حارة اليمن، التقينا بخالد المنصوري الذي يصلح سيارته في إحدى الورش هناك، قال «منذ سنوات تجاوزت العشر، وأنا لا أصلح أي خلل ميكانيكي في سيارتي إلا هنا، والمسألة لا تعتمد على المظهر بقدر ما تعتمد على مهارة ومهنية المعلم، وبالنسبة للمعلم إسماعيل أعتبره من بين الأفضل، إن لم يكن الأفضل على مستوى مكة المكرمة، بخلاف أجره المنخفض، مقارنة بورش إصلاح السيارات الرسمية، وتظل قيمة قطع الغيار هي الثابتة، مع العلم أنهم في ورش حارة اليمن يوفرون قطع الغيار المستخدمة وبأسعار زهيدة، وتختلف نظافة القطعة نسبيا ووفقا لذلك يختلف السعر، ولكن بالنسبة لي أفضل قطع الغيار الجديدة، والمتبقي محلول بإذن الله مع مهارة المعلم إسماعيل والصبية العاملين في ورشته».
وأضاف «كما يمتاز المعلم إسماعيل وجيرانه من الميكانيكيين بالأمانة والإخلاص في العمل، والبعد عن الغش نهائيا، بحيث يوضحون للعميل صورة الخلل وأسبابه وكلفة إصلاحه بالكامل، بعد الكشف المجاني على السيارة، وهم يتميزون في إصلاح السيارات من الموديلات ما قبل المزودة بالكمبيوتر والأنظمة الالكترونية، ولولا فارق الإمكانات مع الورش المتخصصة المزودة بالأجهزة الحديثة لما نافسهم أحد في السوق».
المعلم إسماعيل يقول «اضطررنا للعمل بهذا الشكل لعدة أسباب، وظروف ما بين مادية بحتة تتمثل في رؤوس الأموال الضعيفة جدا، والتي تمنعنا من استئجار الورش الرسمية وإيجاراتها الغالية، وظروف اجتماعية تتمثل في كوننا كأصحاب صنعة من جنسيات أفريقية مختلفة، نقيم هنا بشكل مخالف، مما يعني استحالة حصولنا على الورش النظامية، وإن استأجرناها بشكل ملتو تحت اسم صوري، لن نستطيع ممارسة العمل، أو على الأقل سنتوقف بأقرب اختلاف مع العملاء بحضور جهات الفصل الرسمية، وهو أمر وارد في مهنتنا في أي لحظة«.
وعن صنعتهم يقول «أخذناها بالتوارث، إما عن طريق الآباء، أو عن طريق المعلمين الذين تمرسنا تحت أيديهم في الصغر، وفي حالتي أخذت المهنة بالطريقتين، ففي البداية بدأت أخذها عن طريق الوالد منذ سن السابعة، ومن ثم عن طريق أحد المعلمين بعد أن توفي والدي وأنا في الـ11 من العمر، وحتى الـ16 وأنا أعد معاونا متمرسا، ثم بعد ذلك بدأت كمعلم محترف، وفي العشرين من عمري استقللت بذاتي في ورشة تخصني، واليوم، أسعى جاهدا إلى نقل كامل مهارتي وما تعلمته خلال مشواري الطويل في المهنة، إلى الصبية الخمسة الذين يعملون برفقتي، علها تعينهم على مواجهة مصاعب الحياة، خاصة أن كثيرا منهم يعيلون أسرا بأكملها«.
مدير العلاقات العامة والإعلام في أمانة العاصمة المقدسة، أسامة زيتوني قال إنهم لا يستطيعون مخالفة مثل هذه الورش كونها عبارة عن ساحات تضم عشرات السيارات، وفي حال حضور مراقبي البلدية، ينسلخ العاملون عن عملهم بشكل طبيعي، ولا يستطيع المراقبون مخالفتهم كأفراد وليس هناك ورش لمخالفتها، مشيرا إلى أن الحارة تقع ضمن مخططات الإزالة لصالح مشاريع تطوير مكة المكرمة، الأمر الذي سيقضي على المشكلة نهائيا.
حارة اليمن ورش تطبب السيارات ميدانيا
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
