تعد الأسرة أول وأهم وسيط لعملية التنشئة الاجتماعية، فأسرة الطفل تحدد هويته ومركزه الاجتماعي على أساس وضعها في المجتمع. كما يؤثر مركز الأسرة اقتصادياً واجتماعياً على الفرص المتاحة لنمو الطفل جسمياً وعقلياً واجتماعياً وانفعالياً، وعلى أنواع وأساليب التنشئة الاجتماعية التي تنتقيها الأسرة وتستخدمها مع أبنائها، وبالتالي فإنها تحدد إلى درجة كبيرة إن كان الطفل سينمو نمواً نفسياً واجتماعياً سليماً أو غير سليم، فهي مسؤولة إلى حد كبير عن تحديد سمات شخصيته وسلوكه في المستقبل وذلك من خلال أنماط أو أساليب المعاملة التي يتبعها الوالدان في تربية أبنائهما في مراحل العمر المختلفة للأبناء من الطفولة للمراهقة وصولاً لمرحلة الشباب.
ومن تلك الأساليب التي يتبعها الوالدان وتتضمن نماذج غير سوية في معاملة الأبناء هو أسلوب الحماية الزائدة (Over protection style)؛ وهو المغالاة في المحافظة على الأبناء والخوف عليهم لدرجة مفرطة وممارسة المهام التي يكلفون بها، وقوامها فرط الاتصال المادي بين الوالدين وصغيرهما واستطالة رعاية طفولته أو منع نمو اعتماده أو تعويله على نفسه، ثم فرط تحكم الوالد أو رقابته، ولا يسمح الآباء المبالغون في الحماية لأي فرد أن يتدخل في واجباتهم الأبوية، كما يؤكد الآباء في هذا الاتجاه حبهم للطفل، لكن تصرفاتهم والمبالغة في الحماية له والمشوبة بالقلق قد لا تعكس ذلك، والخطاب الذي قد يفهمه الطفل هنا أن أمك أو أباك لا يثقان بك، إنهما يعتقدان أنك لا تستطيع أن تحسن الإنجاز بمفردك.
إن كثيرًا من الآباء لا يعرفون كمية العناية والحماية المطلوبة للطفل، فهم يعتقدون أن الطفل يتطلب له حماية زائدة أكثر وهذا من مصلحته في نظرهم، ولذلك فهم سيمنحونه من الوقت والجهد والنفقة المالية والمحبة الزائدة ما قد لا يكون هو في حاجة إليه، وغالباً ما يلجأ الوالدان إلى المبالغة في الاهتمام بالطفل وبالذات المريض أو ذي الإعاقة، والإفراط في العاطفة نحوه، والخوف والشفقة عليه بقصد وقايته وحمايته، مما يؤدي إلى العديد من المشكلات والصعوبات التي تقيده بدلا من إطلاق حريته أو الإسراع في دفعه نحو الاستقلال والثقة والاعتماد على النفس؛ مما يؤدي في بعض الأحيان بالطفل إلى الأنانية والعناد الزائد الذي يكون من الآثار المباشرة للعطف والشفقة عليه.
وعلى الرغم من أن الحماية الزائدة مغلفة بالمحبة إلا أنها اتجاه سلبي، حيث إن المبالغة في أي شيء أمر غير مرغوب، وهذا الاتجاه خليط من التشدد والحنان والعطف، وكثير من الأولاد يرفضون هذه الحماية الزائدة، ويشعرون بأنهم ليسوا عاجزين إلى هذا الحد الذي يتصوره ذووهم، ولذا يناضلون للتخلص من ذلك لتحقيق الاستقلال.
فأيها الآباء؛ امنحوا أبناءكم شيئا من الثقة والحرية مع المتابعة والمراقبة والتوجيه، وكونوا عوناً لهم في الحياة ولا تكون حجر عثرة في طريق نموّهم الجسمي والمعرفي، فسيحملون لكم هذه الثقة في نفوسهم وستجدون آثارها في شخصيتهم.
الحماية الزائدة والطفولة
محمد الحمزة3 دقائق للقراءة

حجم الخط
