بعد كتابة مقالي السابق (أنفاق غزة المظلمة)، الذي أدليت فيه برأيي كمواطن عربي متابع للأحداث، انهالت ردود فعل تراوحت بين طائفتين، متشنّجة ومتعقّلة، ولكن الأغلب كانت انفعالية بالدرجة الأولى، تكيل الشتائم وتسفّه الرأي وتطلق أحكامها المعلبة، وتصنيفاتها الجاهزة على كل من يختلف معها فكرا وقولا، ولذلك في محاولة لتصفية حسابات قديمة، أو بسبب عاطفة دينية أو عربية تأخذهم بعيدا عن قراءة مجريات الأمور بكل واقعية وتجرّد.
وأنا عن نفسي ومن خلال هذا المنبر الإعلامي الكبير أعلن تعاطفي الإنساني العظيم مع أي إنسان يقمع، سواء كان في شمال الفلبين أو جنوب البرازيل، فما بالكم بأهلنا في غزة، والذين يقعون دائما ضحايا للإرهاب الإسرائيلي بسبب حماقات عسكرية تمارسها حماس وغيرها من المنظمات التي تلعب خارج إطار اللعبة السياسية الدولية.
ولكن أرباب وأتباع الفكر الظلامي، والذين يجيدون القفز على الحواجز، وارتداء الأقنعة تزعجهم الحقائق ويديرون ظهورهم عن المنطق والطرح الموضوعي، ويستغلون أي كتابة أو مقالة أو رأي حر لتجييش الرأي العام ضد هذا الكاتب أو ذاك المفكر، لمجرد أنه مختلف أيدلوجيا، أو أن هناك مواقف فكرية مسبقة مترسبة في الأعماق!
فقد وصل الاتهام لبعض الكتاب الذين كتبوا عن العدوان الإسرائيلي على غزة بحياد إلى اتهامهم بالعمالة لأمريكا وإسرائيل، وقبض أموال وامتيازات خاصة من جهات خارجية، أو بالعداء للعرب والإسلام ومحاربة الله ورسوله، والعياذ بالله.
وهذا ليس بجديد على «دواعش» الداخل والخارج، الذين يواجهون الكلمة بالقمع، والفكر بالكفر، والحقيقة بالطعن والتشكيك، والشمس بالظلام والسواد، منذ عقود مضت.
ففي كل حادثة عابرة يستثمروها لصالحهم، لخدمة أجنداتهم التي تتدثر لبوسا دينيا، وتعتمر مبدأ إصلاح المجتمع، وإنقاذه من الوقوع في مواطن الرذيلة بالمحافظة على القيم وحماية الأعراض والأخلاق، وكأن الناس كلهم على ضلال، بينما يرون بأنهم الطائفة المنصورة والفرقة الناجية وفي زمن البلبلة والفتن!
ولنفترض أن الخارجين عن سياقهم الفكري المفخخ، زوار للسفارات ودعاة على أبواب جهنم كما يزعمون، فهؤلاء الكتاب في أسوأ الحالات، ولاؤهم للوطن المتماسك، وليس للتنظيمات الإرهابية، وهدفهم تحقيق الحياة الكريمة للإنسان، وليس التفجير والقتل والخراب، ومبدأهم التعايش والتسامح والتكافل الذي عززه ديننا الإسلامي، وليس التناحر ونشر الفتن بين المذاهب، وبث الفرقة بين أبناء الوطن الواحد، بحجة صفاء العقيدة ونقاء التوجه.. ويكفي.
ولاؤنا للوطن.. وولاؤهم للفتن!
خالد قماش2 دقائق للقراءة

حجم الخط
