الحياة بسيطة وموارد الثقافة تكاد تكون محدودة في فترة الثمانينات الميلادية بالطائف آنذاك، وشغف المثقفين لا حدود له، إلا أنه كما يقول المثل الشعبي «ما باليد حيلة»، تعد المكتبات المعنية بالكتب وجوانب المعرفة المتعددة قليلة جدا إن لم تكن نادرة، ولكن علي السيد كان بمثابة الأمل الذي أضاء شمعة المعرفة والثقافة لشريحة كبيرة من المثقفين ومحبي الاطلاع والمعرفة والقراءة في الطائف والمنطقة الغربية بأكملها، من خلال مكتبته المتواضعة التي تعج بفوضى الكتب المترامية في كل ركن من أركانها وتمتد إلى خارج حدود دكانه لتصل إلى لسان الشارع اللاهث بالمارة
لم تكن هيئة السيد تدل على أن هذا الرجل يملك كما وافرا من الثقافة بل هو رجل بسيط تكسوه ملابس مهترئة لا يجيد القراءة والكتابة وهو الأمر الذي يجعلنا نستغرب وجود كثير من أمهات الكتب بل إن من يبحث عن الكتب النادرة سيجدها لديه، يستورد «عم علي» كما يسميه محبوه كتبه من المعلمين الوافدين للمملكة من الدول العربية، فعندما يرغب أحدهم في السفر لبلاده يبيع ما لديه من كتب وعندما يعود يأتي بكتب جديدة ليبيعها على عم علي، لا يعرف هذا الرجل ما في هذه الكتب من معلومات أو تحت أي نوع يمكن تصنيفها، معياره الوحيد في وضع قيمة للكتاب هو راحة يده، فهو يكيل الكتاب بوضعه في كفه وما زاد وزنه غلا سعره وما خف يكون سعره أقل
كانت «مكتبة السيد» في بدايتها في السوق المركزي بالطائف وتحديدا في شارع البريد ثم انتقلت إلى شارع خالد بن الوليد بالشرقية، يذكر الرواة أن هذه المكتبة كانت تحتوي على كثير من الكتب القومية والفلسفية والدينية والثقافية التي لو حضرت في وقتنا الحاضر لكانت ممنوعة البيع والتداول، ومن العجيب أن هذه المكتبة كانت تحتوي على مخطوطات نادرة لا يعرف العم علي قيمتها وأهميتها فيبيعها وفقا لقاعدته في البيع
من الكتب التي كانت تباع آنذاك «كتاب شمس المعارف» وكان سعره خمسين ريالا وهو مبلغ ليس من السهل الحصول عليه في تلك الفترة إلا أن عم علي كان يعرف الكتاب هذا جيدا من خلال مرتادي المكتبة الذين بينوا له ماهية هذا الكتاب ومحتواه، وكان في المقابل يبين للناس خطورته قبل بيعه، ومن الكتب التي أصبحت ممنوعة فيما بعد كتاب «كنت طبيبا في اليمن» حيث يشرح المجتمع اليمني ووضعه الاقتصادي والسياسي في تلك الفترة
استمر عم علي يطبق مبدأ الاستعارة في مكتبته حيث كانت الحياة صعبة، وظروف العيش لا تمكن كثيرا من شراء هذه الكتب، فيقوم بإعارة الكتاب بريال أو نصف ريال بحيث يقوم المستعير بإرجاعه في اليوم الثاني ليستعير كتابا آخر وكلما تأخر الشخص في إعادة الكتاب زاد سعر الإعارة
ارتاد هذه المكتبة كثير من المثقفين البارزين اليوم منهم فهد العرابي الحارثي وسعد الحميدين وعثمان الصيني ومحمد الشقحا وفهد ردة الحارثي ومناحي القثامي والشاعر مطلق الثبيتي وغيرهم، وتعد هذه المكتبة مرحلة مهمة في التكوين الثقافي والأدبي لهؤلاء بل هي الرافد الحقيقي والمكون الرئيس في بناء الفكر والثقافة لديهم وهم يذكرون ذلك في كثير من المناسبات والندوات
يقول مناحي القثامي إن علي السيد لم يكن له أقرباء وهو رجل يمني الجنسية عرفته في هذه المكتبة عام 1381 وأذهب إليه لشراء الكتب النادرة
السيد أميّ.. هبة الله للمثقفين
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
