قد لا يعزب عن المتأمل في واقع العالم اليوم أن رحى الفتن والصراعات والقتل عادة ما تدور في بلاد المسلمين، وهو أمر ترعرع الكثير من أبناء ملة الإسلام على سماعه ومتابعة فصوله المتواترة عبر وسائل الإعلام المختلفة، هذا إلى جانب من عايشوا الأحداث مباشرة ورأوا بأم أعينهم مشاهد الرعب والدمار دون الحاجة لوسيلة نقل إعلامية.
ولأن الشيء الغريب يصبح عاديا مع مرور الزمن، فإن الجيل الذي شب وشاب على مفردات من مثل « قُتل، جُرح، سيارة مفخخة، قصفت الدبابات والطائرات، فجر نفسه ...» حتما سيكتسب جله مناعة ضد التأثر بمثل هذه المفردات وما تعنيه.
إن الأسباب التي أدت لهذه النتيجة كثيرة، أولها البعد عن تعاليم الدين الحنيف وعدم فهم مقاصده، مما جعل بعض أتباعه يتأرجحون بين الغلو والتفريط، وقد تمخض عن ذلك شيع وطوائف وجماعات متناحرة تكرس جهدها ووقتها للعمل بعضها ضد بعض.
أما السبب الثاني فهو التخلف عن ركب الحضارة وهو نتيجة طبيعية للسبب الأول. ولكي نوضح ما نصبو إليه نقول: إن ضعف التمسك بالدين القويم الذي يدعو للعزة والقوة أدى بالأمة الإسلامية إلى حالة من التنافر وعدم السير في الاتجاه الواحد، ولهذا باتت تواجه تحديا مع الذات من جانب، وتحديا مع أمم أخرى من جانب آخر.
منذ عقود خلت معظم الدول العربية والإسلامية رهينة مخططات قوى عظمى وجدت الأرض الخصبة والمكان المناسب لتنفيذ مآربها، وجراء ذلك دفع المسلمون فاتورة باهظة الثمن، فحينما تبدأ شرارة الحرب أو الفتنة في منطقة ما، فإن الأرواح تزهق والمنشآت والمصانع تهدم ويعود مكان الواقعة إلى ما قبل نقطة الصفر. ولكي تخرج أمة الإسلام من هذا المستنقع وتستطيع التحرر من حركتها الدائرية التي ترجعها لنقطة البدء بين الفينة والأخرى، يجب عليها التخلص من مشاكلها البينية أولا، ثم الدخول في مضمار المنافسة في مجالات العلم والصناعة الحديثة، حتى تصنع لنفسها مكانا يجعل لها هيبة وكلمة مسموعة، إذ إن البقاء في هذه الحياة للأقوى ومن لديه قاعدة متينة يستند إليها، وذلك أمر يبدو سهلا من الناحية النظرية لكنه صعب من الناحية التطبيقية.