يهدف هذا الكتاب إلى البحث عن الأبعاد الروحانية والنفسية العميقة لأركان الإسلام، بهذه الكلمات تصف الكاتبة ألفة يوسف كتابها «شوق»، بعد أن أدى طغيان الجانب الفقهي البحت في الكتابة عن أركان الإسلام، إلى التكثيف الديني بمعناه القائم على تطبيق الشعائر الجزئية إلى حد الهوس.
يعد الإعراض الشامل عن الدلالات الفلسفية والروحانية من أسباب تفكك العلاقة بين العبادات والأخلاق.
حيث يشهد العبد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فالركن الأول من أركان الإسلام لا يتحقق بمجرد اللفظ ولا يتحقق التوحيد والإيمان بوجود الله عن طريق العقل، وإنما يتحقق بالفطرة والعلم الذي يجده الإنسان في نفسه دون الحاجة إلى إثبات.
وإذا كانت المؤلفة تتفق مع القول الغالب لجمهور المسلمين في أن الله بالألوهية، فإن الركن الأول من أركان الإسلام وهو الشهادتان، في حقيقة اللاوعي، وليس في الفطرة العقلية، وإن لم يكن كذلك فإن صاحب الشهادة قابل لأن يكون صادقا أو كاذبا، وبهذا فإننا لا نهتم بصدقه في علاقته مع الآخرين، وإنما نهتم بصدقها لغويا وإن كان عملها معتبرا في دخول الإسلام.


تقنين الصلاة

فصلت السنة النبوية في صفات الصلاة ومواقيتها ويقينها، في حين لم تذكر التفاصيل في القرآن، ويدل ذلك برأي الكاتبة على أن هناك أبعادا أخرى غير البعد التقني، واستندت في إبراز البعد الباطني المعنوي لهذه العبادة في أثرها على اجتناب المصلي للفحشاء والمنكر على أمرين: المحافظة على الصلوات من جهة، والخشوع في الصلاة من جهة أخرى.
ومن هذا المنطلق تتحدث المؤلفة عن العلاقة التلازمية بين الدعاء والاستجابة مستندة على قول أحد المحللين الغربيين في تسمية ذلك بصلاة الشوق التي تجسم الخشوع، لا صلاة الحاجة التي تجسم الطمع والرغبة.
تشير المؤلفة إلى أن القرآن وثق العلاقة بين الزكاة والصلاة، وبنفس الطريقة والتدرج الذي عالج به قضية الشهادة والصلاة، مؤكدة على الآثار الإيجابية التي تتركها هذه العبادة على الشخص المزكي، وعلى المجتمع والواقع السياسي، وذكر الكتاب الأبعاد الروحية لها من تطهير للنفس والتزكية لها، وآثار الكرم عليها وأمثال هذه المعاني.


المنع السلبي

جاء المنع بالصيام خاصاً بالطعام والمعاشرة الزوجية لاتصالهما الوثيق بالإنسان وبالمنع على حد سواء، وتربط المؤلفة ذلك بقصة آدم عليه السلام الذي أكل من الشجرة فبدت له سوأته وسوأة زوجه.
المنع سمة من سمات الوجود البشري الذي خضع لقانون اللغة بتعلمه الأسماء كلها وتأطرت قدرته خارج كلمة «كن»، فالمنع من الطعام والشراب والجماع يتسق وهذا المنع الجوهري ويذكر به.
كما ترى الكاتبة أن المنع منطلق للإباحة، فالمنع الأول له قانون انطولوجي، والثاني قانون وظيفي، فإذا تحدد الممنوع، تحدد غير الممنوع والمباح، وهو ما ورد في القرآن من ضبط للمباحات، وهذا الصيام الموقت يذكر الصائم بنعمة الله عليه بهذه النعم التي يستشعرها من خلال الامتناع ثم العودة إليها.
ثم تسوق في فصل بعنوان (الصيام والافتقار) عددا من الحكم والأسرار للصوم من الجهة الروحانية سيرا على منهج الكتاب.
أما الركن الخامس وهو الحج فتسميه المؤلفة رحلة المشقة والمخاطرة، لأنه سفر في فج عميق، وهو حركة بالسفر وبالعمل في سائر المناسك، فهي السمة الجوهرية للحياة كلها كما قال ابن عربي.
فهو لا يتيسر لكل أحد ولم يفرض إلا لمن استطاع إليه سبيلا.
وعلى حد تعبير الكاتبة فالحج رحلة غياب، أبعد من المكان والزمن، وهو قصد إلى ما هو أعمق من تحديد الشعائر، وهو سفر الشوق إلى الله عز وجل.
وفي خاتمة الكتاب حديث عن العلاقة بين الإسلام والإيمان في الترتيب والمعنى وتكامل الأدوار، وكأن الكتاب يسافر شوقا من كل ظاهر في الإسلام إلى باطن، ومن العمل إلى مقاصده، ومن الشعائر إلى الشعور.


«المشقة في الحج على صنفين: صنف تدخل فيه النوائب والمصائب وهو غير اختياري، وصنف اختياري وهو ما يسعى إليه المسلم بالأمر الإلهي كالحج والجهاد.
تعتبر المشقة والألم من سمات حياة المرء، لا من حيث هي عقوبة للإنسان عليه أن يكفر عنها في الدنيا، بل من حيث إن المشقة سبيل من سبل التعليم والمعرفة، ويتعلم المرء أنه مفتقر إلى الآخر المطلق وأنه مهما أصابه الغرور ليس إلا كائنا فانيا لا يمتلك أجوبة لأسئلة الوجود»

ألفة يوسف