انخفض عدد مصانع العطور الطبيعية الهندية أمام ضغوط تكاليف الإنتاج العالية وغزو العطور الحديثة للأسواق، ولطالما تميزت هذه العطور التي تعتمد أساسا على الزيت الزهري بشعبية واسعة في الهند وخارجها.
تدني عدد العطور الطبيعية المتواجدة في السوق الهندية لتحتل نسبة %33 من المعروض وذلك لأن كثيرا من الهنود يفضلون العطور الحديثة من صناعة الشركات الدولية، مثل رجل الأعمال أنشول أغاروال الذي يقول: أهداني أحد أصدقائي "عطارا" قبل سنة تقريبا، لكنني لم أستعمله بعد لأنني أحب عطور "كالفين كلاين" و"دافيدوف".
وتعكس هذه المعركة بين الشركات الصغيرة والمجموعات العالمية مثل "أرماني" و"شانيل" آلاف المعارك الأخرى في الهند بين الممارسات القديمة وقوى الحداثة.
وبينت دراسة تسويقية أن ماركات "أرماني" و"أزارو" و"بوربوري" هي الماركات الثلاث الأكثر مبيعا في البلاد.
تراجع معدل نمو المبيعات سنويا
وأظهرت دراسة في مايو أن سوق العطور المحلية تشهد نموا سنويا بنسبة %30 وأن قيمتها الحالية تبلغ 270 مليون دولار، وهذا يمثل تراجعا في المعدلات عما سبق.
وأشارت إلى أن القطاع الذي يشمل "العطار" وهو عطر يرتكز على الزيت وغيره من العطور المحلية يمثل نحو %30 من مجموع مبيعات العطور.
ولا تجد الأنواع الطبيعية رواجا إلا في بعض مناطق وأحياء المسلمين الهنود، وحيث يتوافد السياح.
وأوضح صاحب محل في شوارع نيودلهي الضيقة، برافول غوندي ذلك قائلا: المسلمون يشكلون النسبة الكبرى من زبائننا لأن الإسلام يحرم العطور المرتكزة على الكحول.
ويضيف حتى السياح الآتون إلى الهند يتوافدون إلى متاجرنا بفضل عطورنا الطبيعية والعضوية، فهم يعرفون أن العطر لطيف على البشرة ولا يسبب أي حساسية.
وأشار إلى أن سعر 10 مللمترات من زيت الورد يبلغ 252 دولارا، لكن الزيوت الاصطناعية أرخص ويمكن شراؤها في مقابل 8 دولارات.
ويضيف أنها مسألة ذوق وخيار، الخبير بالعطور لا يمانع أن يدفع مبلغا كبيرا طالما أنه راض عن النوعية.
ويدير غوندي 49 عاما، شركته الخاصة التي أسستها عائلته منذ 1816، ويستقطب زبائن أثرياء وآخرين يبحثون عن منتجات رخيصة.
عاصمة العطور الطبيعية تكافح للبقاء
وتبدو صورة تراجع عدد مصانع العطور الطبيعية واضحة في مدينة قنوج النائية التي تعتبر عاصمة العطور في الهند، والتي يكافح فيها الحرفيون للحفاظ على مهنتهم في ظل منافسة شرسة من صانعي العطور العصريين، بعد أن كانت مدينتهم الواقعة على ضفاف نهر الغانج في الماضي مركزا رئيسا لتجارة الحرير والعطور والبهارات الهندية التي كانت ترسل بشكل خاص إلى الشرق الأوسط.
ويؤكد الحرفيون فيها أن آلية صناعاتهم التي تبدأ بجمع أوراق النباتات العطرية ثم إدخالها بعد ذلك في عملية تقطير تستغرق أشهرا للحصول على العطر، هي أفضل من طريقة التصنيع الحديثة والسريعة.
ومنذ ثلاثين سنة، يعمل لاكسمي نارايان 72 عاما، في صناعة "العطار" وهو عطر يرتكز على الزيت يصنع بطريقة تعود إلى آلاف السنين وتعد حرفته صعبة جدا.
ويعتبر سوشيل سينغ وهو مشرف في المقطرة أن الآلات لا يمكن أن تحل يوما محل الحرفيين ذوي الخبرة.
ويقول: سنخسر الرائحة إذا استعملنا الآلات، بدأ الناس ينسون قيمة العطار، لكننا نعرف ما تتطلبه صناعته، بالنسبة إلينا العطار هو حياتنا.
وكل صباح، يقطف المزارعون المحليون بالقرب من قنوج باقات من الورد والياسمين وغيرهما ويسلمونها إلى المقطرات القريبة في تلك المدينة الهادئة.
بعد ذلك، يتم مزج الزهور مع الماء وتسخينها في قدور نحاسية، في عملية قد تتطلب أياما عدة، ثم يتم نقل البخار المعطر عبر أنبوب من الخيزران إلى وعاء يحتوي على زيت الصندل الذي يعد المكون الأساسي "للعطار".
لكن شعبية "العطار" تتراجع تدريجيا بسبب اهتمام المستهلكين في الهند بالماركات والمنتجات الأجنبية منذ الإصلاحات الاقتصادية في التسعينات التي فتحت الهند على العالم.
ومن المشكلات الأخرى ارتفاع تكاليف المواد الأولية، ولا سيما الزيت الذي يتم استيراده بسبب محدودية الإنتاج في الهند.
وقال نائب مدير مركز "فراغرنس أند فليفور" في المدينة شاكتي شوكلا: إن قنوج هي مدينة العطور في البلاد منذ آلاف السنين، صناعة العطور هنا هي فن وجزء لا يتجزأ من ثقافة الشعب وتراثه.
وأضاف بولكيت جاين من مقطرات براغاتي أروما أويل أن المدينة كانت تضم نحو 700 مقطرة حتى أواخر التسعينات، أما اليوم فقد انخفض عدد المقطرات إلى 150 لأن البدائل الكيميائية والعطور المرتكزة على البارافين أرخص ثمنا.
ويأمل صانعو العطور الطبيعية الهنود في إنعاش صناعتهم ومعالجة تراجع منتجاتهم في السوق المحلية من خلال القيام بتشجيع منتجاتهم لاستخدامها للأغراض المختلفة بما فيها العلاج بالعطر.
إنهم يأملون في إنعاش أعمالهم بالإضافة إلى إثبات أن الطرق القديمة لصناعة العطور لا تمنعها من مسايرة الموضة والعراقة في آن واحد.

