(رجل الدولة الحقيقي هو الذي يفضل صيانة المصالح اليومية لمواطنيه على تسجيل بطولات شخصية خالدة لنفسه).
ألسنا أوفياء لشيمنا العربية الأصيلة حين تنشغل أذهاننا ليل نهار بالبحث عن بطل ينتشلنا من الهوة التي نتردى فيها بلا انقطاع؟
نحن الذين ما تزال جيناتنا تضج بعبادة البطولة والأبطال، تلك العبادة التي صنعت الآلهة الوثنية أيام الجاهلية، وحررنا الإسلام منها لوهلة، لكننا انتكسنا إليها بسرعة، منذ تحولت الخلافة الرشيدة إلى مُلك عضود!
ترى الواحد منا – كلما رأى حال الأمة الذي يسر الأعداء ويحزن الأصدقاء - يتمتم بلسان قلبه، داعيا ربه، أن أنعم علينا يا كريم يا منان ببطل صنديد ذي جبروت، يقهر الأمم التي تكالبت علينا كتكالب الأكلة على قصعتها!
بل إن أهل العزيمة والموهبة من بيننا، لا يحركهم – في الحقيقة - إلا دافع واحد لا غير، تتضاءل إلى جواره كل الدوافع الأخرى التي قد ينطق بها اللسان ويكذبها الجَنان، وهو دافع أن يحقق هو شخصيا بطولة ترفعه من مصاف العاديين الرعاع، وتجعله أهلا لإجلال البشر جميعا ومهابتهم..
دعونا نصارح أنفسنا؛ فكلنا نحلم ببطل يخلصنا، والقادرون الأكفاء بيننا يحلمون بأن يكون الواحد منهم هو نفسه هذا البطل، فكأننا نحن العرب – في دخائل نفوسنا - نعتبر كل عمل آخر تضطرنا تكاليف الحياة للاشتغال به، مجرد عائق سخيف مفروض علينا فرضا كريها، لكي نجد ما نسدد به فواتيرنا ونشتري خبزنا ونتسوق في (مولنا) لكننا نحتقر كل تلك الأعمال على اختلافها، لأنها تؤجل انشغالنا بما هو أهم؛ وهو انتظار البطل الآتي، أو العمل على أن نكون – نحن أنفسنا - أبطالا متوجين بهالات المجد والسؤدد!
وهكذا، لم تعد الأعمال المنتجة، على اختلافها، تحظى في وعينا بأي قدر من الاهتمام، ناهيكم عن الاحترام، فإن هي إلا وسائل لإقامة الأود، وإطعام العيال، لكننا ندخر طاقاتنا الحقيقية، وشغفنا الداخلي العميق، للبطل المنتظر، ولعله يكون من حسن الطالع أن أكون أنا شخصيا هذا البطل، وسوف تأتيني هذه البطولة كالصاعقة النازلة على أم راسي من السماء السابعة، لا حاجة إطلاقا لأن أعمل، أو أجتهد أو حتى أفكر، يكفيني أن أنتظر في المقهى، أو أمام المسلسل، أو مباراة الكرة.. إلخ
وفعل الانتظار في حد ذاته هو كل المجهود المطلوب مني، أرأيتم ما هو أسهل من ذلك؟!
وحتى هؤلاء العرب القلائل الذين اختاروا لأنفسهم حياة نشيطة فاعلة، إنما هم في غالبيتهم – إلا من رحم ربي - يكرسون طاقاتهم لخدمة طموحاتهم البطولية، وليس لخدمة أهلهم ومواطنيهم وأوطانهم، فالمتدين لا يكتفي بتدينه وإنما يريد أن يكون بطل التدين الذي يهدي الجنس البشري كله، بالكلمة حينا وبالمدفع الرشاش أحيانا، والسياسي لا يقنع بخدمة مبادئه ووطنه، بل هو يريد أن يكون الزعيم الأوحد والبطل الأمجد الذي تنحني له الجباه، ويطمع في أن يفتح عكا، مثلما يفتح علبة الصودا، والعالِم لدينا لا يرضيه أن يدقق بحوثه وتجاربه، وأن يعمل مع زملائه بصبر ودأب وتعاون كامل متفانٍ، بل يريد منذ لحظة ارتدائه معطف البحث العلمي أن يكتشف علاجا للإيدز والسرطان والالتهاب الكبدي، ليحصل على جائزة نوبل قبل حصوله على الماجستير، إنه يريد البطولة لا العلم..
وتفضيل الشعوب العربية للبطل على رجل الدولة يدعو للغثيان، وهو سر خيباتنا كلها فيما أزعم، فالبطل قد يقامر بشعبه كله مقابل تحقيق البطولة، لكن رجل الدولة لا هم له إلا رعاية مصالح شعبه، وأمنه ورفاهيته، وحياة أصغر مواطن من مواطنيه، أهم لديه من مجد الأكاسرة والقياصرة..
...
هذا ما تحتاجه أمة العرب الآن حقاً: أبطال أقل، وبطولات أقل..
هذا ما تحتاجه أمة العرب الآن حقا: بناؤون صبورون أكثر، وعلماء دقيقون أكثر، وتلاميذ مجتهدون أكثر، وخبازون ماهرون أكثر، وحدادون بارعون أكثر، وسباكون مخلصون أكثر، وفلاحون منتجون أكثر، ومعلمون متحمسون أكثر، وممرضون عطوفون أكثر، ورجال دولة متفانون أكثر..
نحتاج صناع الحياة الإنسانية الكريمة، أكثر بكثير من احتياجنا العبثي لأصحاب البطولات فوق البشرية، هؤلاء الذين أوردنا الاتكال عليهم موارد الهلاك، أو يكاد!

[email protected]