في قرية صغيرة بإقليم كيرلا الهندي، يوجد منتجع صغير، مرميّ في أقصى مكان فوق جبل يخالف طبيعة الطقس في الإقليم. في هذا المكان لا يمكن أن تفعل أي شيء، يعيدونك إلى الطبيعة، لا اتصال ولا قنوات تلفزيونية ولا أي مظهر من مظاهر المدنية، أعدّ للراحة بشروط المنتجع. يمكنك خارجه أن تختار ما تشاء أو تتسوق من أسواق شعبية حصيلة الفلاحين في القرية، أما داخله فكل ما تستطيع فعله أن تحكي مع العاملين.
السكن من أخشاب الغابة، والأرضيات من نفس الغابة والماء من النبع وأدوات النظافة خامات طبيعية، وأكياس النفايات من الورق والأكل بكل أنواعه من منتجات القرية ويقدم كأنك في منتجعات خمس نجوم. يمكنك أن تقول ينقصك كل شيء ويمكنك أن تقول لا ينقصك شيء، هذا خاضع لرغبتك وتفسيرك للأمر وهدفك من اختيار المكان.
وأنا أراجع هذه اليوميات حاولت أن أتذكر أهم صناعة سعودية، على الأقل ظاهرة للعيان، ولم أجد غير منتجات البلاستيك، وحاولت أن أجد أكبر منتج زراعي ولم أجد غير الأعلاف!
غياب الوعي البيئي والصحي وغياب الجهة المسؤولة عنه وغياب مؤسسات مجتمع مدني فاعلة ومؤثرة وقادرة على وضع برامج مناسبة للأسرة والمجتمع بالإضافة إلى غياب البرامج الصناعية الواضحة والمتقدمة، قادنا ذلك إلى كارثة صحية وبيئية تتوازى مع مجموعة كوارث نديرها بإتقان وأدرناها خلال سنوات الطفرة الاقتصادية وما بعدها بامتياز.
لا أحد يعرف ولا أحد سيجيب على من تقع المسؤولية في تدمير الصحة والبيئة الممارس من قبل الكل، الصحة أم الصناعة أم التجارة، أو الهيئات المعنية، غذاء ودواء وبيئة ...إلخ.
نحن صرنا نعرف أن دمنا تفرق بين هذه القبائل وأصبح الخلاص الفردي هو الحل، والسلوك الفردي هو الحل بممارسة التوعية على مستوى الأسرة والمجتمعات الصغيرة في السلوك الصحي والبيئي.
على مستوى الأعلاف أنا متأكد أن هناك مئات المقالات وعشرات الدراسات التي نبهت بالخطر الكبير الذي أوقعنا في كارثة استنزاف المياه الجوفية ومع ذلك لا «تخطيط» تحركت ولا زراعة ولا غيرها.
في إحدى الطرق التي تصل بين منطقتين على مسافة أكثر من 300 كلم، تلفت الانتباه سيارات نقل الأعلاف من إحدى المناطق الزراعية إلى منطقة استهلاك تجاري، مئات السيارات التي تحفر متن وأكتاف الطريق وكلها، ليس معظمها، كلها تعمل لصالح عمالة وافدة معروفة الجنسية، سيطرت فيها المافيا على سوق الأعلاف خصوصاً في تلك المنطقة، فبالإضافة إلى سوء استهلاك المياه الذي يمارس زراعياً سواء من المزارع أو المستأجر، معظم المزارع مؤجرة لعمالة وافدة، وهذه المافيا تتحرّك لاستنزاف كل المصادر دون اكتراث وتقود السياسة الزراعية إلى مناطق في غاية الخطورة ليس أولها استنزاف المياه.
ماذا لو طبقت أي جهة معنية، وزارة الزراعة مثلاً، لوحدها وليس بالاشتراك مع أجهزة أخرى لأننا تعودنا أن اشتراك أكثر من جهة في برنامج ما يعني تعطيل العمل، من لجنة في لجان .. إلخ.
ماذا لو طبقت الوزارة برنامجا للحدّ من هذا الإقبال الهائل على زراعة الأعلاف كأن يتم تطبيق ضريبة (استهلاك مياه ونقل أعلاف) على هذه التجارة التي تبدو في ظاهرها فردية؟ الذي أعرفه أن المافيا تأخذها من التاجر بثمن يتضاعف حال وصولها إلى منطقة الاستهلاك في المدن، والذي أعرفه أن مليارات الريالات يتم تدويرها من قبل جنسية أو عدة جنسيات في إنتاج زراعي لا يغلب عليه التنوع، والذي أتوقعه أن مثل هذه التشريعات ستحدّ أولا من هذه السيطرة وثانياً وهو الأهم من استنزاف الثروة المائية الهائلة.
لم تعد أحلامنا تتسع لقرى أو مدن أو شوارع صحية، أحلامنا قصيرة جداً وضئيلة لدرجة يمكن تطبيق برامج «على مقاسنا» من أجل مستقبل آمن فقط !
هذا الاقتراح ومثله العديد من الاقتراحات والأسئلة والأوجاع حول الأمن المائي والمستقبل سيضحك عليها «أحد» وسيندم على تركها للعراء ابن هذا الأحد، إن قدّر لهذا الابن العيش باختياره حول هذه الصحراء وهي تتجرّد إلا من الريح والجوع والحفاة.
كيرلا الهندية وخطّ القصيم!
عادل حوشان3 دقائق للقراءة

حجم الخط
