حين يصبح النقد لازمة شخصية تسيطر على الإنسان في كل وقت فلا يرى إلا العيوب ولا يلحظ إلا السقطات ولا يتوقف إلا عند الأخطاء والزلات فهو يعيش مشكلة نفسية وعقلية وشرعية بلا شك، ومن تأمل مشهد الناس من حوله في دوائرهم المختلفة رأى بينهم من هو متصف بهذا الوصف أو قل مبتلى بهذا البلاء، ومن المعلوم بداهة أن البشر وأعمالهم تبعا لهم قد جبلوا على وجود النقص والخلل، كما أن من المعلوم أيضا أنه لا بد من نقد وتناصح بين الناس، وإلا لفسدت الحياة واختل ميزانها، ولكن المصيبة أن يبتلى المجتمع بأفراد لا هم لهم ولا شغل إلا تتبع الزلات والتنقيب عن الأخطاء والبحث عن المعائب وإظهار كل ذلك وإبرازه وجعله معبرا عن الحال وحاكما على الموقف أو على الشخص أو المجموعة أو المجتمع بأسره.
وهذه الفصيلة من الناس تعاني، في الغالب، من مشكلة نفسية أصلا، فليست على حال نفسي متزن، ولمشكلتها النفسية هذه جوانب ومكونات عديدة من أظهرها أنها شخصية سوداوية متشائمة في العادة، فتبحث عن ما يرضيها في هذا الاتجاه، وهو لن يكون في الإيجابيات والحسنات بطبيعة الحال، كما أنها شخصية شكاكة لا تثق في شيء ولا تأخذ الأمور إلا على سياق سلبي وغلبة الانتقاد تشبع لديها هذا الشعور، وهي أيضا تعاني من عقدة نقص أمام الآخرين فتتأذى بنجاحاتهم وتتمنى لهم الفشل والسقوط، ولكنها تخفي ذلك تحت مظلة النقد والنصح.
وهذه الشخصية تعاني كذلك من مشكلة عقلية أيضا، فإن الحكمة والتعقل يفضيان بصاحبهما إلى الهدوء والاتزان في النظر للأشياء من حوله، فتراه يقدرها بقدرها ويعتبر بالظروف المحيطة وينظر من الزاوية المقابلة ويستحضر المعاني الكلية ويراعي فقه المصالح والمفاسد وتعارضهما، وغير ذلك من لوازم النظر السديد. ومن كان هذا شأنه عرف مقدار النقد وحدوده ولم يغلب عليه في كل حال فيعميه.
وهذه الشخصية تعاني كذلك من مشكلة شرعية، وذلك لإخلالها بمبدأ لزوم العدل في الحكم على الناس والحكم بين الناس، فإن الانتقاد المتجاوز للحقيقة والعدل من جنس الظلم المحرم الذي توعد الله عليه بالعقوبة، ونصوص الشريعة كتابا وسنة متوافرة على وجوب العدل والإنصاف مع المسلم وغيره في كل حال، بل جاءت مشددة في هذا الباب، فضبطت ألفاظ المسلم وأحكامه على الآخرين، فجعلت بعضها تحت طائلة العقوبة الشرعية وألزمت المسلم، حاكما أو محكوما، بحدود لا يجاوزها لإقامة العدل بمعناه العام بين الناس.