من رأى منكم رجلا مديد القامة، يمشي في إشبيليا، فهو جدي. قولوا له إن حفيدك بنفس المدينة، ينتظرك بشغف، وفي يده زهرة كاسيس حمراء، فقط ليقول له: مدينتك يا جدي تغيرت كثيرا لدرجة أن أصبحت شيئا آخر.
لا تقف كثيرا أمام القصر الذي تعرفه جيدا، لكي لا يصمت قلبك للمرة الأخيرة. القصر الذي بني في العهد الأموي بالأندلس قبل أن يعاد ترميمه بعد زلزال القرن الرابع عشر في عهد عبدالرحمن الثاني. هو اليوم يا جدي لأناس آخرين، يسكنه بشر لم تعرفهم من قبل.
غيروا الكثير في واجهته حتى فقد روحه الأولى وملامحه، ولبس روحا جديدة. لا تحزن كثيرا يا جدي، هكذا الأقوام بعد الانتصارات. لا تقلق وأنت تقف أمام كنيسة لاخيرالدا بواجهتها الضخمة التي كانت مسجدا وقصرا في زمنك.
كل العلامات يا جدي أصابها التغيير والانتفاء. ستقول لي يا جدي: أخذوا الأرض والهواء والماء، فماذا كان يضيرهم لو حافظوا عليها كما هي؟ هي معلم لأناس مروا من هنا لم يكونوا دائما سيئين، وبنوا حضارة، وأشاعوا بعض النور في الظلمات المتسيدة.
لكن الذي لا تعرفه يا جدي، نحن أيضا عندما أحرجنا من سرقوا تاريخنا وحريتنا غيرنا كل شيء تركوه وراءهم. حولنا المساجد إلى كنائس والكنيس إلى فراغ يباب. لم نكن ملائكة يا جدي. فقد غيرنا كل العلامات التي عمرها قرون. في هذا نتشابه يا جدي الأعظم.
مرة أخرى، من رأى منكم رجلا مديدا، أغبر قليلا من شدة الأسفار، ووجهه متعب وملامحه تعلوها دهشة الخوف والشبهة، قولوا له إن حفيدك الذي ينتمي إلى جرحك، هو هنا فقط ليقبل رجليك وجبهتك وليقول لك شكرا لأنك صنعتَ قدرا جميلا ما زلنا نعتز به، غير القدر الذي يُفرض علينا اليوم، وأشاعوا نورا في بيت كانت الظلمة تكتم أنفاسه، لم نعرف كيف نستعيده ونقيم فيه أبدا.