تلك الجدران الرمادية التي تضج ببرودة قاسية تلهب أنينه الذي لا يسمعه سواه بعد الله.
وجعه الذي اختلط بغبار ذلك المكان وامتزج بشعب رئتيه اللتين يحتجز من أجل ما بهما من اعتلال في هذا المصح، وحيطانه التي يرسم عليها كل ليلة أفكاره التي تؤنس وحدته، ليست أفكاره فقط التي تؤنس وحدته، كذلك تفعل تلك الذرات من الغبار والتي تتحرك ببطء متواتر أمام عينيه حين يتخللها شعاع ضوء من النافذة الوحيدة في الغرفة والتي لا تفتح إلا لدقائق معدودة، ووقع خطوات الآخرين من ممرض أو طبيب أو عامل خارج الأبواب المحكمة الإغلاق، حتى أنه بات يعرف من صوت هذه الخطوات التي ألفها – وربما ألفته!- لمن تكون أو ما إذا كانت تخص شخص بدينا أو نحيلا، متسرعا أو متزنا، مترددا أو مقداما، تؤنس هذه اللعبة أذنيه ووحدته وتحفز عقله الذي يشكوه إليه كلما طال مقامه في ذلك المكان.
«يشكوه إليه» تذكر أن شكوى عقله هي شكوى متذمر يشعر بقسوة العزلة.
أما قلبه الذي توقف عن الشكوى منذ زمن طويل فلم يعد يؤلمه ..اعتاد العزلة واعتادته وسكنها وسكنته حين غادره من كان يظن أنه لن يغادره حتى بالموت.
وضع كفه على صدره وهو يسعل بألم متواصل حتى توقف السعال، فأسرع برفع سبابته ليرسم شكل رئته في الهواء كما يفعل بعد كل نوبة سعال حارقة.
كان يرسم رئة وردية اللون صحيحة معافاة ويبتسم وهو يفعل بهدوء وكان يشم رائحة قهوته التي يحب، يختلط بشذى عطر شعر ابنته التي تركض إلى صدره كل صباح تضمه وتداعب ملامح وجهه بأصابع يدها الصغيرة اللدنة لدونة سنوات عمرها الخمس.
كان يرى ذلك حلماً لا يستيقظ منه إلا ليعود لعزلة هذه الجدران، برودة أطرافه التي تشبه برودة قلب هجره قريباً، لا يعود إليها الدفء مهما حاول، صور الحياة خارج هذه الجدران والتي لم يعد يتذكر أغلب تفاصيلها منذ عزله هنا، كذلك باتت صوراً باردة برودة أطرافه التي تجتمع فيها كل أعصاب جسده الواهن.
صور تتراءى أمامه بشكل مزعج يجعله يحرك يديه بعصبية خائفة وكأنه يمحوها لكيلا تعود، يختبئ منها في كثير من الأوقات في صفحات الكتب التي تملأ الأرفف القليلة بقرب سريره.
يستيقظ أحياناً من نومه في ساعات متأخرة من الليل ولا يستطيع العودة للنوم مهما يفعل، فيرى واهماً خيوط دخان السجائر التي كان يحرق بها صدره سنوات كثيرة، يراه يتصاعد أمامه ولا يتوقف كأنه ينبعث من سيجارة لا تنطفئ.
عزلته التي لا يخرج منها إلا إليها تذكره بحياة بعد حياته تلك حياة لا ألم فيها ولا عزلة ولا خذلان صديق ولا حبيب، يشتاق إليها شوقاً يملأ صدره المعطوب، ويعرف أنه لن ينالها إلا بعد أن يستوفي أوقات عزلته هذه تماماً «ليته لا يطول الانتظار!»، يسمع صوته يقول له هذه العبارة كلما خنقته عزلته.
أحاسيس مريض معزول
منى سالم باخشوين3 دقائق للقراءة

حجم الخط
