نبتعد مسافة زمنية كافية عن البدايات المعاصرة لظهور التحولات الإسلامية المتشددة الحديثة قبل حوالي نصف قرن، والمصاحبة لمشكلات الاستعمار، وبدايات الدولة العربية الحديثة، التي صنعت المناخ لنشأة الحركات الإسلامية
هذه المسافة، وتنوع كل محطة ينضج الرؤية لطبيعة الأزمة الدينية والسياسية، فنعتدل في تقييم المشهد مع بروز كل أزمة من نوع سياسي مختلف لتضعنا أمام تحد آخر
جاءت الثورة السورية كاختبار جديد للمجتمع وللنخبة، وفرصة للفكر الجهادي غير متوقعة للنهوض مرة أخرى لتعويض الانكماش الذي تعرض له، لكنه يأتي في لحظة يبدو فيها المزاج الشعبي أكثر تعقلا، ووعيا وقدرة على تقييم نوعية تعاطفه مع الآخرين
تبدو الثورة الشعبية السورية هي الوحيدة التي اتفق عليها الجميع

من مختلف التيارات والجهات الإعلامية على مدار أكثر من عامين
تعاطف الجميع معها ضد نظام غاشم لا يتورع عن استعمال أي وسيلة لقتل شعبه بما فيها السلاح الكيماوي، فقد بدأت الثورة كغيرها سلمية

قبل أن يفرض النظام السوري عسكرتها، ويضع العالم المتفرج أمام مأزق أخلاقي
ضغطت هذه الثورة على الجميع بمن فيهم السياسي، وأثرت على المزاج الاجتماعي العام، وزاد من ثقل الأزمة حضور البعد الطائفي الذي جمع بين النظام السوري وحزب الله وإيران والنظام العراقي
هذه الظروف والتحديات الصعبة، تبدو كدرس جديد لمن يستسهل ويختزل أحداث الماضي، ويسخر من نوعية المواقف، ولا يدرك أن قدر السياسة وخياراتها بين السيء والأسوأ
كشف الأسبوع الماضي عبر تويتر نوعية التعاطف العام مع سوريا، في تأييد دعم الثورة دون الحث على الذهاب الشخصي للمشاركة العسكرية فيها، وأكد حجم الوعي الشعبي الذي حدث بالرغم من محاولة البعض تقديم صورة غير موضوعية عنه
المفارقة ليست في أراء بعض الدعاة والمشايخ المعروفة

وإنما في ردة الفعل العامة المؤيدة لها، حتى من الإسلاميين الذين تفهموا هذه الرؤية
عند أكثر من محطة جهادية كانت الرموز الدينية التقليدية والحركية تتعرض أحيانا لضغوط شديدة من داخل التيار الإسلامي للتأثير على رأيها، ونقلها للمواقف المتشددة، وقد حدث أن تلعثم كثيرون مع لحظة 11 سبتمبر، وحجب دخانها الرؤية، وقد كتبت عن ذلك في حينها
عندما يتحدث البعض عن ضغط الجماهير في الماضي، فالواقع أنه كان ضغط فئة محددة من الإسلاميين أكثر منه ضغط المجتمع
كان ولا يزال أصعب تحد واجهه الفكر الجهادي هو المجتمع والمزاج الشعبي في أغلب محطاته التي مر بها
هذه التنظيمات تدرك المزاج العام عنها، والذي في يكون مجمله رافضا لهذه الاتجاهات المسلحة، ويتوجس منها
لهذا لم تتحول القاعدة في أي مرحلة لتيار شعبي، يقدم باحث قدير (فواز جرجس) رؤيته عن هذا فيكتب «بعيدا أن تكون القاعدة حركة اجتماعية ذات جذور تاريخية عميقة في المجتمعات المسلمة، تبدو القاعدة والمجاهدون الأمميون عموما، كما لو كانوا أيتاما نشؤوا داخل الجماعات الإسلامية المسلحة، ورأس حربة طموح تقوده طليعة صغيرة يجب أن نتذكرها باستمرار
لم تجذب القاعدة في أحسن أيامها غير عدد محدود من الأنصار المخلصين، ولم تتحول قط إلى تيار شعبي
لقد تميز تاريخها القصير بغياب القاعدة الاجتماعية الكثيفة والدائمة


»، ورغم ذلك يصر حديث الإرهاب التقليدي على تصوير «القاعدة» كقوة كونية فائقة القوة، أحيانا نغرق في تفاصيل حياة أسماء شريحة محدودة انخرطت في هذه الاتجاهات، ونتجاهل المزاج الاجتماعي العام الذي يتطور وعيه، وأصبح قادرا على التمييز بين نوعية المواقف المعتدلة وغيرها
في الشهر الماضي اضطر تنظيم «القاعدة» في حالة نادرة إلى تقديم اعتذاره عن استهدافه لمستشفى العرضي في اليمن، في جريمة بشعة تعبر عن كارثة أخلاقية، ومع أن الاعتذار كان باهتا فإنه في تقديري يعتبر من أبرز وأغرب أحداث 2013 الخاص بهذا التنظيم
يشير (بيتر بيرجن) إلى أنه «من الغريب رؤية زعماء القاعدة يعتذرون بهذه السرعة وبهذه الطريقة المباشرة والعلانية»
هذا الاعتذار لم يكن ليحدث لولا أن مواقع التواصل الاجتماعي عبرت فورا بصوت مباشر عن إدانتها للجريمة، وشعور التنظيم بحجم الخسائر الأخلاقية، والشعور بأن المزاج الاجتماعي، لم يعد يقبل أي تبريرات لمثل هذه الجرائم
هذا المزاج الاجتماعي غير المتقبل لهذا الفكر يزداد وضوحا مع الأيام

ولهذا تمر كلماتهم، وبياناتهم في الفضائيات والانترنت واليوتيوب لرموز وقيادات هذا التنظيم مرورا عابرا

لا يتابعها إلا المهتمون بهذه القضايا، وتشعر بحالة عدم الإعجاب عندما يتناقل خبر ذهاب فلان للعراق أو سوريا في مجالسنا
هل هذا يعني أنه لا توجد لدينا حالات عديدة معجبة بهذا الفكر بقوة، وتدافع عنه بشراسة ومنخرطة فيه؟، بالتأكيد توجد نماذج عديدة، وسيستمر وجودها كأي مشكلة أخرى، ومن يتصور أنه يمكن الوصول إلى حالة صفرية في علاج مشكلات مثل هذا النوع متصلة بالدين والسياسة والثقافة والتاريخ، ويفترض بأنه يجب ألا يوجد من يتأثر أو يعجب بهذا الفكر، فإن هذه مشكلة منهجية لديه في تفهم الظواهر الاجتماعية، وتمييز درجة خطورتها
من يتصور أن مثل هذه القضايا وحالات التورط بالعنف ستنتهي تماما، هو كمن يتوقع بسذاجة ورومانسية نهاية الأزمات السياسية في العالم، ونهاية الحروب والصراعات في مناطق مختلفة
القول بعدم وجود عمق شعبي لهذه التنظيمات لا يعني عدم الاهتمام بقضايا التطرف، والعنف

ومعالجة مشكلات التعصب في المجتمع، فأي مجتمع حضاري بحاجة لنشر ثقافة التسامح والاعتدال لأنها قيم عليا بذاتها، ومن أهم متطلبات التقدم والتنمية
عدم شعبية هذه التنظيمات المسلحة لا يعني أن مجتمعنا يعيش بلا أمراض من التعصب والتشدد، وهو كغيره ليس محصنا من التأثر بأفكار متطرفة

إذا لم نراجع نوعية خطاباتنا الثقافية والدينية التي ما زالت تعاني من بطء التفاعل مع التحولات المتسارعة في عالم اليوم