لا يتجاوز «خط الدفاع»، ولا خطوطا من أي نوع أو لون، ينتظر تمريرة عبقرية لتقفز به وتضج المدرجات نشوة وصخبا تهتف باسمه، لكنه لا يشعر بقيمة الإنجاز - كصاحب التمريرة - لاعب الوسط الذي يجعل المهاجم بوضع انفراد، إنما يضعه في «موقف سخيف»: إن سجّل فطبيعي، وإن لم يسّجل فسيوصم بالبلاهة!
لا يوافق بـ»نعم»، ولا يعترض بـ»لا»، لكنه يرتكب كثيراً من أدوات «الاستثناء»، ويمزج كل الألوان كي يصل في النهاية إلى المفردة «الرمادية» التي بإمكانه أن يقفز – عفواً يسقط – عليها مباشرة دون إيهامنا بأن ذلك الفعل يحتاج لجهد!
يتجاهل، وربما يجهل أن غواية الفكرة لا تكمن في وعورتها ولا في عورتها، لا يعلم أن «التبرج» ليس بالضرورة «انحلالا»، ففي الكتابة – تحديداً - العري ضرورة، والستر اختباء، لذا فهو يجاري ذائقة القارئ، ويخشى أن «يستفزها» ويمر عبرها للكلام.. يؤمن أن الأبواب المُغلقة أكثر أماناً، ويتناسى أنها هي الأكثر عُرضة «للطرق» – بفتح الطاء وغلق جميع المناقصات!- ولأن الموافقة – غالباً – لا تحتاج لتبرير، لهذا كلما سئل عن رأيه بكلام المسؤول فلا يتريث أنه يوضح أنه «معه» في كل ما يقول، ومشكلة «معه» أنها تتحول بفعل التكرار إلى «أمّعه»، فالأولى جعلته يسيئ «الاختيار» – عمداً - فقط، أما الثانية فهي تُفقده «الحريّة»!
هو يعي جيداً أن حرف «الألف» رغم أسبقيته وأنفته وشموخه الذي يبدو كمئذنة، رغم كل ذلك فإنه لا يستغني عن «الهمزة» التي تصله وتقطعه، كما يدرك أن حرف «الواو « قادرٌ على هزيمة الأبجدية بأكملها، ويعرف أن «الياء» لا غنى له عن «الضمائر»، يتضخّم بالتملّك، ويستأسد للمجهول!
مُغرم جداً «بالمرادفات» التي تحمل معنى لطيفاً، يستعطف القارئ بدرجة تتجاوز «التوسل» إلى «التسوّل» ويُفقِد فكرته شجاعتها، وتبهت روح ومضتها الأولى، ويرى كما ترى «نزاهة « أن الكثير من «اليدين» توغل في «النصب»، لكن خياله لم يتجرأ عن «الفعل» الذي يجعلها يوماً «مرفوعة» عن التمادي!
يسير مع من يظنون أن «الحقيقة» تستلزم البحث عنها في أحراش لم تطأها أفكار أنس من قبل، ويجهل أنه قد تكون في المكان الذي تجاوزه الجميع ولم ينتبه لوجودها أحد!
المقال الجيد ليس هو الذي يصفّق له القارئ لأنه قال – المقال - شيئاً يريد قوله القارئ، بل هو ذلك الذي يفتح له آفاقا ليعيد ما كان يود قوله، ويفتح له شُرفات جديدة يرى فيها من زوايا كانت غائبة عنه، فالكتابة ليست نقطتي القول، وليست النقطة الأخيرة، كما أن الكاتب ليس محطّة الانطلاق، ولا نقطة الوصول، يكفي أن يكون هو الطريق.. الطريق فقط، لكن عليه أن يتنبه إلى أنه ليس بالضرورة أن يكون «معبداً» يُريح العابرين!
«التغريد خارج السرب» مقولة مخادعة للكاتب، فإن آمن بوجود سرب «من الأساس» فسيكون منشغلاً في كونه خارجه أو داخله، الكاتب ليس بالضرورة طائراً، كل ما عليه أن يثق أنه يستطيع الطيران، ويملك سماوات أرحب، والأهم ألا يشغله التحليق ومدى الرحابة عن الوجهة!
عليه أن يعي كونه كائنا مثمرا، بنفس الوقت لا ينسى أنه متهيئ «للرمي» ومتنبه كون ذلك لا يعني أنه «شجرة مثمرة»، فالكلاب الضالة أيضاً تُرمى بذات الحجر، لأنها لا تثمر!
وأخيراً على الكاتب «الهداف» أن يتنبه إلى أن «الجمهور» كلما تسلطن وانتشى فإنه يغنّي بصوتٍ حزين!