مساء 22 يوليو 1987م، كان في طريقه إلى مقر عمله بلندن، حيث أطلق مجهول النار على رأس هذا المناضل، ليدخل في غيبوبة انتهت بوفاته في 29 أغسطس من ذات العام، واللافت أن السلاح المستخدم لقتله كان مزودا بكاتم للصوت، في الوقت الذي كان متأبطا رسما كاريكاتيريا يوضح فيه رجلا مسجى ومغطى بعمامة فلسطينية، كُتب فوقه: “لا لكاتم الصوت” ..إنها نبوءة الفنان!
هو فنان الكاريكاتير الشهير ناجي العلي الذي مرت ذكرى الحادثة التي أدت إلى مقتله قبل أيام قلائل متزامنة مع نزيف موجع لغزة، وقصف همجي غاشم من قبل المحتل الغاصب، الذي قتل وشرد وهجّر ودمر، في ظل صمت دولي مطبق من قبل الأنظمة والتي كان يقول عنها ذات سخرية لاذعة: (من راقب الأنظمة.. مات هما)!
تشجّرت ريشة ناجي العلي من قريته (الشجرة) التي تقع بين طبريا والناصرة بعد أن هُجّر منها ليستقر به المقام في مخيم عين الحلوة بجنوب لبنان، ويعتقل هناك وهو ابن العاشرة، فابتكر حينها شخصية حنظلة ابن العاشرة هما وظلما، والذي يظهر دائما كأيقونة للعجز العربي والصمت المتخاذل مكتّفا يديه خلف ظهره، ليبدأ بعدها يمارس الرسم على حيطان السجون الإسرائيلية، والوجدان العربي!
كانت رسوماته تُغني عن كتابة آلاف المعلقات الشعرية العربية التي تتباكى على أمجادنا، وتستجرّ تاريخا يفيض بالدم والألم والخراب، وكان بتلك الخطوط الصامتة يزلزل أركان الوطن العربي المذبوح من الوريد إلى الوريد، لذلك لم تتحمّل الأنظمة المستبدة تلك الحوارات الصارخة وجعا وذلا، لتغتاله ويتفرق دمه بين القبائل العربية والعبرية، ويبقى حنظلة شاهدا له، وشاهدا علينا!
قال عنه الشاعر الكبير محمود درويش: “كنت أكتب وكان يرسم جميع الذين عملوا معه كانوا يقولون إنه أصبح جامحًا وأن النار المشتعلة فيه تلتهم كل شيء، لأن قلبه على ريشته ولأن ريشته سريعة الانفعال والاشتعال لا تعرف لأي شيء حسابًا.. ولأنه يحس بأن فلسطين ملكيته الخاصة التي لا يحق لأحد أن يجتهد في تفسير ديانتها.. فهي لن تعود بالتقسيط.. لن تعود إلا مرة واحدة.. مرة واحدة من النهر إلى البحر وإلا لن يُغفر لأحد.. وأعلن الخلاف مع الجميع وخدش الجميع بريشة لا ترحم ولا تصغي للأصدقاء”.
وعندما سُئل ناجي العلي عن موعد رؤية وجه حنظلة أجاب: “عندما تصبح الكرامة العربية غير مهددة، وعندما يسترد الإنسان العربي شعوره بحريته وإنسانيته”.. ويكفي.
ناجي العلي..المناضل بالريشة والفكر
خالد قماش2 دقائق للقراءة

حجم الخط
