لا بد أن فلاديمير بوتين يشعر بالقلق
منذ ست سنوات ونصف السنة، نجح الرئيس الروسي في إقناع اللجنة الأولمبية الدولية في اجتماعها الذي كان منعقدا في جواتيمالا بأن تقوم حكومته باستضافة أكبر حدث رياضي عالمي
طلب الرئيس الروسي، وتعهده بإنفاق 12 مليار دولار من أجل تنظيم الألعاب، مكن جمهورية روسيا الاتحادية من الفوز بالمنافسة على استضافة الألعاب الأولمبية الشتوية في 2014 سوتشي، متغلبا بذلك على النمسا وكوريا الجنوبية
كان القرار انتصارا سياسيا هاما لروسيا، التي كانت تكافح في ذلك الوقت لتعود للظهور على المسرح الدولي
ولكن في السنوات التي تلت تلك الفترة، تحولت سوتشي إلى مركز للفساد على مستويات مذهلة
بلغت تقديرات تكاليف الألعاب الأولمبية حتى الآن 55 مليار دولار، وهي الأكثر كلفة في تاريخ الألعاب الأولمبية، وهي أكثر كلفة من إجمالي تكاليف الألعاب الأولمبية العشرة الأخيرة مجتمعة
حوالي ثلث، وربما أكثر من ثلث، ذلك المبلغ الهائل يُعتقد أنه ضاع بطرق غير مشروعة
تقول دراسة شارك في إعدادها نائب رئيس الوزراء الروسي السابق (وهو زعيم المعارضة الحالي) بوريس نيمتسوف أن «تكاليف الألعاب الأولمبية في سوتشي، مقارنة مع وسطي المعطيات العالمية لارتفاع الأسعار، كان يجب أن تكون 24 مليار دولار
الباقي ليس إلا عبارة عن اختلاسات ورشاوى»
وفي ذلك الإطار، كشفت الألعاب الأولمبية الشتوية في سوتشي أن الاقتصاد الروسي فاسد ومتعفن حتى النخاع
وقد أدى تركيز أجهزة الإعلام العالمية على سوتشي، باعتبارها مضيف الألعاب الأولمبية لهذا العام، إلى كشف جوانب متعددة في السياسة الداخلية الروسية، والتي تلتزم جانبا محافظا قد لا يروق لكثير من المراقبين، مثل الخط المتشدد الذي اتخذته إدارة الرئيس فلاديمير بوتين ضد المثليين الجنسيين وإصدار قوانين تمنع استغلال الألعاب الأولمبية لأغراض دعائية تخدم مثل هذه المظاهر التي لا تتلاءم مع التقاليد الروسية المحافظة
وكما هو متوقع، فقد أعلن حلفاء الكرملين، بما في ذلك الكنيسة الأرثوذكسية ذات النفوذ الكبير، عن مواقف مؤيدة تماما لما يقوم به الرئيس بوتين في هذا الإطار
لكن كل هذه القضايا لا تشكل شيئا بجانب المخاطر الأمنية المحتملة والكابوس الإرهابي الذي يواجهه الكرملين الآن، والقادم من منطقة القوقاز
في أواخر الشهر الماضي، وقع تفجيران انتحاريان في مدينة فولجوجراد الجنوبية، وهي قريبة نسبيا من مكان إقامة الألعاب الأولمبية الوشيكة
هذان التفجيران أعادا الاهتمام العالمي بالصراع الدائر في روسيا منذ فترة طويلة مع التيار الإسلامي المتطرف
كما أكدت هذه الأعمال الإرهابية حقيقة أن التطرف الإسلامي في روسيا، بالرغم من تطمينات الحكومة الروسية عكس ذلك، ليس فقط مرنا، لكنه قادر على العودة مرة أخرى
هذا لا يضر فقط بمصداقية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي كان أحد أهم الأسباب التي أوصلته إلى السلطة هو وعده بأنه سيرد بقوة وصرامة على التطرف الإسلامي، والذي أعلن بسعادة منذ سنوات أن الصراع في الشيشان قد انتهى بانتصار روسيا
لذلك فإن التهديدات الإرهابية الأخيرة تعتبر ضارة جدا لنظام الرئيس بوتين على الساحة الدولية
في عهد الرئيس بوتين، عادت روسيا مرة أخرى إلى موقع قيادي في الساحة الدولية
على مدى الأشهر الستة وحدها، أحرزت روسيا عددا من الانتصارات المذهلة في مجال السياسة الخارجية، مثل رعاية اتفاقية لتفكيك الأسلحة النووية في سوريا إلى تنسيق التفاف في اللحظة الأخيرة في السياسة الأوكرانية بعيدا عن أوروبا
لكن وقوع أي حادث إرهابي في الألعاب الأولمبية الشتوية سيحطم الواجهة السائدة حاليا، والتي تم بناؤها بعناية، والتي تظهر التفوق الروسي على الساحة الدولية
وكما هو متوقع، ردت موسكو بحملة أمنية صارمة
في الأيام الأخيرة، نشرت روسيا عددا إضافيا من قوات الشرطة وجنود وزارة الداخلية يصل إلى 30
000 في سوتشي لدعم آلاف رجال الأمن الموجودين بالفعل هناك
وقد وضعت قيودا صارمة على الحركة أيضا، حيث لا يسمح إلا للعربات المسجلة في المدينة أو المخصصة للألعاب بدخول المنتجعات، كما تم تحديد حركة الأفراد بشكل كبير أيضا
هذه الخطوات، بحسب أحد المراقبين، حولت مدينة سوتشي «إلى ما يشبه معسكرات الاعتقال»
هذه الإجراءات الأمنية أيضا دليل على المخاطر الممكنة
روسيا قد تتمكن من المرور عبر الألعاب الأولمبية دون حدوث أي طارئ، ودون أي حادث مهم سواء على الجبهة الإنسانية أو أي تهديد حقيقي لأمن الألعاب
لكن من الممكن أيضا أن يكون لهذه الإجراءات الأمنية الفائقة أثر عكسي، حيث يمكن أن تكشف بعض الاضطرابات الاجتماعية أو العنف الإسلامي التصدعات الداخلية في روسيا للعالم، ومن خلال ذلك تحطم صورة البلد الذي يحاول العودة كقوة عالمية، والتي سعى الكرملين بقوة لتكريسها
واشنطن تايمز