تبحث القنوات الفضائية، كعادتها في كل موسم رمضاني، عن المعلنين لرعاية المسلسلات التي ستبثها، ولكي تجذب المعلنين فهي تختار نجوم التمثيل من ذوي الجماهيرية العالية بغض النظر عن المحتوى الفكري لهذه الأعمال.
شاهدنا في شهر رمضان الماضي كماً من المسلسلات والبرامج الكوميدية السعودية، منها ما قدمه التلفزيون الرسمي للوطن ومنها ما قدمته قنوات خاصة سعودية، الخلاصة من خلال ما شاهدته أن العمل الفني الكوميدي السعودي لم يرتق منذ سنوات، بل إنه في انحدار مؤلم، فالقضايا التي ناقشتها تلك الأعمال ربما تكون قضايا مهمة ولكن المعالجة الدرامية والحوار والسيناريو كانت بالمرصاد لقتل هذه القضايا ووأدها، وشارك في هذا الوأد المخرجون والممثلون النجوم الذين يكررون أنفسهم في كل موسم متأثرين بنصائح من حولهم.
مواقع التواصل الاجتماعي رصدت الكثير من ردات الفعل حول تلك الأعمال السعودية والتي كانت في غالبيتها امتعاضا ورفضا لما قُدّم، والقلة القليلة كانت مستمتعة بهذه الأعمال نتيجة ما زرعته هذه الكوميديا المترهلة خلال الأعوام السابقة، ولا شك أن الأعمال الدرامية تؤثر في مشاهديها، وهنا تكمن الخطورة، فالمفردات التي يرددها أبطال تلك الأعمال والمستقاة من الشارع، والسطحية في معالجة القضايا والاستهزاء والاستهتار ببعض المجتمعات وبعض الفئات، كل هذا له تأثير سلبي على عقل متلقي هذه الأعمال، خصوصاً إذا كان المستقبل من فئة الغالبية وهم البسطاء في الفهم والإدراك.
عندما شاهدت هذه الأعمال متنقلاً بين القنوات الفضائية تأكدت من أن مسؤولي الرقابة في هذه القنوات لم يقرأوا النصوص، إنهم أشخاص في المكان غير المناسب، لأنه ليس من المعقول أن توافق القناة على هذا الكم من الانحطاط بكل مستوياته الثقافية والأخلاقية والفكرية، وللأسف فإن هذا الأمر يتكرر سنوياً دون أي مبادرة من القنوات لتعديل هذا الوضع المخزي، إن جاز التعبير.
التلفزيون السعودي والذي لا يبحث عن المردود المادي وبالتالي لا يعاني من الضغوط المالية قدم هذا الموسم أربعة أعمال كوميدية، وقد راهن عليها مسؤولو الهيئة قبل رمضان، ولكن وللأسف الشديد ما شاهدناه هذا العام عبر قنوات التلفزيون السعودي هو وضع الشيء في غير موضعه، وبمعنى آخر إهدار للمال العام بشكل واضح وجريء، فهل يعقل أن تصرف كل هذه الملايين على أعمال سطحية لا تتمتع بأي معالجة فكرية أو قراءة عميقة للواقع؟ رئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون دائماً يكرر بأن هناك من يهاجمونه لشخصه وأن العمل يتم وفق استراتيجيات (خطط مدروسة) ولكننا في الواقع لم نر شيئا يستحق الثناء، وإن كان هناك عمل يستحق كل الأموال التي صرفت عليه فأجزم أنه لم يُعرض هذه السنة عبر شاشات التلفزيون السعودي.
العمل الدرامي الفني ليس ديكورا أو ممثلا نجما أو مخرجا أو طواقم فنية! فكل هؤلاء لا يشكلون أربعين في المئة من نجاح العمل اليوم، العمل الفني هو الفكر والمعالجة والحوار والسيناريو، وهذا ما يجهله أو يتجاهله غالبية القائمين على الفضائيات، فمقياس النجاح لديهم هو اسم الفنان النجم، والكوميديا السطحية المعتمدة على الاستهزاء (الذب) وعناوين القضايا التي سيناقشها العمل، وإذا كانت مقاييسهم غير التي ذكرت فمن المستحيل أن نرى مثل هذه الأعمال الهابطة فنياً.
أخشى من خلال تكرار هذه الأعمال الهابطة سنوياً أن تكون هي المعيار مستقبلاً في قياس جودة الأعمال، لأن مثل هذه الأعمال ذات الجودة الفكرية الضعيفة تُسهم في تلوث فكر المشاهد وتسطيحه وجعله محدود المدى، وهذا الأمر إذا سمح له بالتكرار دون وجود آلية علمية تنقذه فهو لا يقل خطورة عن بعض الأفكار المتطرفة التي يعاني منها المجتمع اليوم، فالقضايا الفكرية إذا أردنا معالجتها والارتقاء بأهدافها يجب أن يمتلك القائمون عليها الرؤية الثاقبة الصحيحة بعيدة المدى من خلال وضع استراتيجيات وأهداف يمكن تطبيقها وتنفيذها، ويمكن أيضاً قياسها وتقييمها، والأهم من ذلك أن يكون هناك حس وطني هدفه تنظيف هذه البيئة من الشوائب وجعلها خالية من التلوث الفكري.
إسهام الفضائيات في تلويث الفكر
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
