حمل خطاب خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز الكثير والكثير من المعاني والقيم السامية بشكل صريح وشفاف وبمفردات واضحة المعاني لا تقبل التأويل ولا التفسير، كان خطاباً للعالم أجمع خاطب فيه الإنسانية والضمير العالمي، كان نداء لتجار الدماء باسم الدين والمتلاعبين بقضايا المسلمين، خطاب الوضوح والصدق في وضع النقاط على الحروف وتأكيد السياسة الرسمية للبلاد تجاه القضايا العربية الحالية والموقف الواضح منها، ويمكن للمتتبع قراءة الخطاب من عدة جوانب جوهرية وبالذات الجانب السياسي العالمي فيما يختص بالموقف الدولي من فلسطين، وبالتخاذل في (دعم المركز الدولي لمكافحة الإرهاب)، وفي الجانب السياسي العربي فيما يحصل من إرهاب دموي باسم الدين، ولكننا سنتطرق للجانب الإنساني في خطاب القائد والدلالات التي يرنو إليها.
حمل الخطاب روحا إنسانية عالية بين ألفاظه وحروفه، تجلّت في الإشارات المتكررة للإنسان والذي يؤكد العمق والأثر الإنساني في فكر خادم الحرمين وفي أطروحاته وقراراته، فقد تضمن الخطاب عددا من الوقفات الإنسانية منها الإشارة المباشرة في أن ما يفعله الإرهابيون لا يمت للدين ولا للإنسانية بصلة؛ فيقول: (إن من المعيب والعار أن هؤلاء الإرهابيين يفعلون ذلك باسم الدين فيقتلون النفس التي حرم الله قلتها، ويمثلون بها، ويتباهون بنشرها، كل ذلك باسم الدين، والدين منهم براء، فشوهوا صورة الإسلام بنقائه وصفائه وإنسانيته)، وفي ذلك تأكيد بأن كل من ادعى أن الإسلام يدعو للقتل فهو ينافي المقاصد الكبرى للدين من أن الإسلام هو دين الرحمة وليس دين الدم والقتل؛ ففي الخطاب تصوير لحال تلك الجماعات الإرهابية، وأن ما يقومون به عيب وعار لأنهم ينسبون أعمالهم للدين وهو براء من ذلك.
وفي سياق آخر يشير الخطاب للإنسان الفلسطيني وما يعانيه من مذابح أمام نظر العالم والمنظمات الدولية: (نرى دماء أشقائنا في فلسطين تُسفك في مجازر جماعية، لم تستثن أحداً، وجرائم حرب ضد الإنسانية دون وازع إنساني أو أخلاقي)، وهي رسالة صريحة لكل المنادين بالإنسانية من منظمات حقوق الإنسان وغيرها ومواقفهم المتخاذلة من الدماء الفلسطينية التي تسفك أمام مرأى ومسمع الجميع وليس هناك أي تحرك دولي صادق لوقف تلك الانتهاكات.
أي مشروع للتعايش الإنساني لا يقوم إلاّ بصد الإرهاب والوقوف أمامه بحزم، ولا يتم ذلك إلاّ بتحقيق قيم العدالة الإنسانية التي تكفل الحياة الآمنة للجميع، وما كانت فكرة مشروع (المركز الدولي لمكافحة الإرهاب) إلاّ لتحقيق ذلك الهدف السامي، فقال القائد في كلمته: (دعونا منذ عشر سنوات في مؤتمر الرياض إلى إنشاء “المركز الدولي لمكافحة الإرهاب”، وقد حظي المقترح بتأييد العالم أجمع في حينه، وذلك بهدف التنسيق الأمثل بين الدول، لكننا أصبنا بخيبة أمل ـ بعد ذلك ـ بسبب عدم تفاعل المجتمع الدولي بشكل جدي مع هذه الفكرة).
إن الإنسانية هي لغة العالم اليوم، فلا يستطيع سياسي ولا اقتصادي من تقديم أي مشروع إلاّ بمراعاة حاجات ومطالب الإنسان، ولن نتمكن من إشاعة الأمن والاستقرار إلاّ بتحقيق أمن الإنسان والمجتمعات، ولن تتمكن أي قوة عالمية في فرض قوانينها وقيمها إلاّ بالإنسان..

شكراً لك أيها الإنسان العظيم عبدالله بن عبدالعزيز.